أضغاث الأحلام


قال تعالى: {قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ} (44) سورة يوسف أي أنهم قالوا للملك: أن الذي رأيته في منامك أحلام مختلطة، لا تعبير لها ولا تفسير، ولا نعرف صفتها.

وسميت أضغاثاً لاختلاطها بأضغاث النبات، وهي الحزمة أو القبضة مما يأخذ الإنسان من الأرض، فيها الصغير والكبير واليابس والرطب.

وأضغاث الأحلام هذه ليس لها معنى ولا دلالات، فليست من الشيطان، ولا من مكره، ولا وسوسته، لأن الغالب لا يحصل معها ضيق في الصدر وحزن، وليست أيضاً رؤيا صادقة صالحة، وإن كانت تشبهها لكنها ليست منها، ولا يصح تأويلها، فليس لها تعبير ولا تدبير وتسمى أضغاث الأحلام أيضاً ب(حديث النفس): فكل من كان مشغولاً بأمر يفكر فيه في يقظته، فيراه في نومه، سواء سفراً أو تجارة أو دراسة و زواجا او خوفا من عدو أو لقاء حبيب أو عمل ما، فينام فيرى في نومه ما كان يفكر فيه.

وتسمى كذلك: (مجريات الأحداث)، ويمكن أن نسميها كذلك: (شريط اليوم) فما قام به في واقعه يعاد له في نومه، فالنجارون يرون خشياً، والحدادون يرون حديداً، والمدرسون يرون طلاباً وكراريس، والمساهمون يرون مؤشرات ترتفع وتنخفض، والتجار يرون أموالاً وأرصدة وشيكات، وهكذا كل بحسبه وهمته ومهنته.

ولا يصح تفسير هذه الأضغاث ولا تعبيرها، فالجائع مثلاً أو العطشان يرى في نومه كأنه قدم له بين يديه ما يأكله وما يشربه، وهكذا أثر ما يفكر فيه الإنسان بواقعه (وعقله الباطني) في مناماته.

قال الإمام البغوي – رحمه الله تعالى – معلقاً على حديث النبي – صلى الله عليه وسلم-: (الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان) رواه البخاري ومسلم، ما نصه: (هذا الحديث في بيان ما ليس كل ما يراه الإنسان في نومه يكون صحيحاً، ويجوز تعبيره، إنما الصحيح منها ما كان من الله عز وجل، وما سوى ذلك أصغاث لا تأويل لها) أ. هـ والله تعالى أعلم.

وقفة:

(هذا الذي كان يشاركك في أهلك!):

جاء رجل إلى ابن سيرين فقال له: إني رأيت كأني وجارية لي سوداء، نأكل في قصعة من صدر سمكة. فقال ابن سيرين: هل يخف عليك أن تهيئ لي طعاماً، وتدعوني إلى منزلك؟!

قال: نعم.فهيأ له طعاماً ودعاه، فلما وضعت المائدة إذ جارية له سوداء ممتشطة، فقال له ابن سيرين: هل أصبت من جاريتك هذه شيئا؟! قال: لا. قال: فإذا وضعت القصعة فخذ بيدها فأدخلها المخدع، فصاح، يا أبا بكر، رجل والله. فقال ابن سيرين: هذا الذي كان يشاركك في أهلك. والله تعالى أعلم.

(*) الرياض

المصدر: جريدة الجزيرة السعودية العدد 12587 تاريخ 2007-03-16 – عايض بن محمد العصيمي

error: المحتويات محمية وتخضع لحقوق الملكية الفكرية dmca