الرؤيا من الله


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان) أخرجه البخاري (7005)، ومسلم (2261).

فظاهر هذا الحديث أن الرؤيا التي تضاف إلى الله تعالى لا يقال لها حلم والتي تضاف إلى الشيطان لا يقال لها رؤيا، وهو تصرف شرعي، وإلا فالكل يسمى رؤيا، والكل بالنسبة إلى الخلق والتقدير من قبل الله سبحانه وتعالى، وأما إضافتها هنا إلى الله تعالى فللتشريف كما ذكر ذلك ابن حجر العسقلاني في الفتح (12-386).

فغلبت الرؤيا على ما يراه النائم من الخير والشيء الحسن، وغلب الحلم على ما يراه من الشر والقبيح، ويستعمل كل واحد منهما موضع الآخر.

وقد ذكر الزبيدي أن اللفظين مترادفان، وعليه أكثر أهل اللغة، وفرق بينهما الشارع، فخص الرؤيا بالخير، وخص الحلم بضده، ويؤيده هذا الحديث. (تاج العروس): (مادة حلم): (8-355).

وقال التوربشتي: (الحلم عند العرب مستعمل استعمال الرؤيا والتفريق بينهما إنما كان من الاصطلاحات الشرعية التي لم يفهمها حالم، ولم يشهد إليها حاكم، بل سنها الشرع للفصل بين الحق والباطل). (إرشاد الساري): (10-118).

إذاً: الرؤيا – أحبتي الكرام – لها علامات ودلالات تعرف بها، وتتميز عن غيرها، فمن علاماتها أن في الرؤيا الصالحة انشراحاً للصدر، وراحة للقلب، وفرحاً واطمئناناً يشعر الرائي بشيء من التفاؤل حين منامه وبعد استيقاظه، ومن علاماتها أيضاً أن كل عمل صالح وخير وطاعة يرى في المنام فهو داخل في الرؤيا، ترى في منامك أنك تقرأ قرآنا، أو تتصدق بصدقة أو تحج أو تعتمر أو تطوف بالبيت الحرام، أو تكون باراً بوالديك، أو تصل رحمك، أو تعمل أي عمل صالح طيباً، لكن ليس هذا على إطلاقه! فكثير ما يرى النائم في منامه مناماً يطير له فرحاً، ويتيه له طرباً، ويقيم الدنيا ولا يقعدها ويذلل الصعاب، حتى يحصل على تعبيرها وتفسيرها فإذا بها وبال وعار وشر عليه والعياذ بالله، فيما البعض الآخر يخاف ويتردد في السؤال عن مناماته يقدم رجلاً ويؤخر أخرى فإذا بها خير له وشر لأعدائه ولا يعرف هذا السر إلا بهذا العلم النفيس، والذي يمتاز به من كان حاذقاً من العبار، كما حصل لابن سيرين في القصة المشهورة مع الرجلين، وآذان كل واحد منهما في منامه، وتعبيره بالحج لأحدهما والسرقة للآخر علماً أن الرؤيا واحدة، قال ابن القيم – رحمه الله – في كتابه الروح: (هذا موضع اضطرب فيه الناس) يقصد التفريق بين الرؤيا والحلم وحقيقتهما.

ومن علامات الرؤيا الصادقة أيضاً انها تحفظ من أولها إلى آخرها بفصولها وتفاصيلها فكثير ما نقابل ونسأل من قبل كبار السن وغيرهم عن رؤى لهم رؤوها من قبل عدة سنوات قد تكون طويلة تصل إلى عشرين أو ثلاثين سنة وقد حفظوها ولم ينسوها وكأنهم البارحة أو للتو رؤوها.

هذا بعض من علامات الرؤيا الصادقة باختصار، وفي العدد القادم إن شاء الله تعالى نقف ونبين لكم سوياً الحلم وعلاماته ودلالاته وبالله التوفيق.

وقفة: (إن القوم يقتلونني)!!

عن أم هلال بنت وكيع، عن امرأة عثمان بن عفان – رضي الله عنهما – قالت: أغفي عثمان – رضي الله عنه – فلما استيقظ قال: إن القوم يقتلونني، قلت: كلا يا أمير المؤمنين، قال: رأيت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأبابكر وعمر رضي الله عنهما قال: قالوا افطر عندنا الليلة) أو قالوا (إنك تفطر عندنا الليلة). رواه ابن أبي شيبة، وابن سعد في الطبقات.. والله تعالى أعلم.

(*) الرياض

المصدر: جريدة الجزيرة السعودية العدد 12573 تاريخ 2007-03-02 – عايض بن محمد العصيمي

error: المحتويات محمية وتخضع لحقوق الملكية الفكرية dmca
%d مدونون معجبون بهذه: