هل يثبت بالرؤيا حكم شرعي؟


قال تعالى: {..الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ} )المائدة 3(. فلا يثبت بالرؤيا حكم شرعي أبداً؛ لأنه بموته – صلى الله عليه وسلم – اكتمل لنا الدين. قال الإمام الشاطبي – رحمه الله تعالى – (فلا يستدل بالرؤيا في الأحكام إلا ضعيف المنة، نعم يأتي المرئي تأنيساً وبشارة ونذارة خاصة، بحيث لا يقطعون بمقتضاها حكماً ولا يبنون عليها أصلاً، وهو الاعتدال في أخذها حسبما فهم من الشرع فيها. والله أعلم) (الاعتصام ج1 / ص 264).

وحكى الإمام النووي – رحمه الله – إجماع العلماء على أنه لا يتقرر بالرؤيا حكم شرعي، فقال: (لا يقطع بأمر المنام، ولا تبطل به سنة ثبتت، ولا تثبت به سنة لم تثبت، وهذا إجماع العلماء). (شرح النووي على صحيح مسلم 1 / 115).

وذكر العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: (أن رؤى غير الأنبياء تعرض على الوحي الصريح، فإن وافته وإلا لم يعمل بها)، وقال: (فإن قيل: فما تقولون إذا كانت رؤيا صادقة أو تواطأت؟ قلنا: متى كان كذلك استحال مخالفتها للوحي بل تكون موافقة له..) (مدارج السالكين 1 / 62 بتصرف).

ومن طرائف ما ذكر النووي رحمه الله تعالى قوله: (لو كانت ليلة الثلاثين من شعبان، ولم ير الناس الهلال، فرأى إنسان النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: الليلة أول رمضان لم يصح الصوم بهذا – أي بهذا المنام – لا لصاحب المنام ولا لغيره؛ إذ إن الذي رأيته في المنام رئي في اليقظة وهو يقول: (صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته). (المجموع 6 / 284).

*). (مجموع الفتاوي ج11 / 339).

ومن غرائب وعجائب الناس وعوامهم أنهم صاروا يبنون أحكاماً وتشريعات وعبادات ما أنزل الله بها من سلطان، من تسبيحات وصلوات واستغفار آناء الليل وأطراف النهار، ويتم تبادلها ابتغاء الأجر والثواب من عند الله تعالى عبر رسائل الجوال وغيره، بنية نشر الخير للغير، وهذا كله لا يجوز؛ إذ هو من التشريع لناس بعبادات باطلة ما أنزل الله بها من سلطان.

قل مثل هذا في وصية الدجل من حامل مفاتيح حرم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها في منام رآه، وذكر أرزاقاً وموتاً وقطع أرزاق وخزعبلات يصدقها ضعاف النفوس، والعجيب أن هذه الرؤيا والوصية قديمة ومع هذا تتجدد عند العوام بين آونة وأخرى ويتواصون بها – والعياذ بالله – وقد تصدى لها العلماء في وقتها فماتت في مهدها. ولله الحمد والفضل.

أضف إلى ذلك أيضاً: تلك الرؤى الكثيرة المزعومة المكذوبة في المهدي المنتظر، ووقت خروجه، ويتم تراشقها في مجالس الناس، والتحدث عنها وكأنها آية منزلة محكمة لا تقبل التكذيب والانكار.

وهذا كله خلل في الدين والفكر الإنساني! إذ كيف يستدل بمنامات للنائم لا يعرف حاله! وقد رفع عنه قلم التكليف، قال عليه الصلاة والسلام: (رفع القلم عن ثلاث) عد منهم (النائم حتى يستيقظ).

خلاصة ما سبق أحبتي: لا تقبل الرؤى في هذا الباب (باب التشريع والاستدلال والتقرير) مهما كانت! ولأي شخص كان! في أي زمن كان! بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، أما ما يستدل به في أن الأذان للصلوات المكتوبة قد ثبت وتقرر عن طريق رؤيا منامية فهذا ما سيكون محور حديثنا في الأسبوع القادم. زادكم الله علماً وبصيرة وتقوى.

الرياض

المصدر: جريدة الجزيرة السعودية العدد 12671 تاريخ 2007-06-08 – عايض بن محمد العصيمي

error: المحتويات محمية وتخضع لحقوق الملكية الفكرية dmca
%d مدونون معجبون بهذه: