أسقط من مكان عالٍ في منامي، ورأيت من يصوّب علينا بندقية، فما تأويلهما؟
اتصل متعب — وعمره اثنان وعشرون — برؤيتين: الأولى متكرّرة يسقط فيها من فوق عمارة أو من فوق جبل ويصحو مفزوعاً في منتصف السقوط؛ والثانية أنه وإخوته الأربعة خرجوا من تفاوض مع قوم لا يعرفونهم، فالتفت إلى الوراء فرأى من يصوّب عليهم بندقية فصاح، فأطلق إخوته عليه وقتلوه بينما اختبأ هو. فسأله الشيخ فهد أسئلة انكشف بها رسوبٌ في الدراسة وقطيعةٌ مع أخته وشراكةٌ تجارية بين الإخوة.
نص الرؤيا
الحلم الأول متكرّر: أحلم دائماً بأني أسقط من على شيء عالٍ — مرّة من فوق عمارة، ومرّة من فوق جبل — وفي منتصف الحلم وأنا ساقط أقوم مفزوعاً.
والحلم الثاني: كأني أنا وإخواني — ونحن أربعة إخوة، دائماً في كل حاجة وفي أشغالنا وفي كل شيء نحن معاً — نتفاوض مع ناس لا نعرفهم، ثم جئنا طالعين من عندهم، فالتفتُّ أنا إلى الوراء، فلاحظتُ شخصاً يصوّب علينا شيئاً كالبندقية، فصحتُ أنا، فالتفت إخواني وكلّهم يحمل سلاحاً، فأطلقوا عليه وقتلوه؛ وبقينا محتارين لهذا الشيء، وانتبهتُ من نومي مفجوعاً. وأنا لم أُطلق عليه، بل اختبأت.
الخلاصة
حمل المفسّر السقوط المتكرر على الخوف من تكرار الفشل، وقال إن الحياة فيها النجاح وفيها الفشل وليس أحدٌ سعيداً دائماً فيها، ونهاه أن يدع هذا الخوف يأسره فيمنعه من الارتقاء في سلّم المجد وسلّم الدراسة، وأوصاه أن يكون استعداده أقوى من المعركة التي يُقدم عليها، مادةً كانت أو مستوىً أو اختباراً. ثم ردّ الأمر إلى مانعٍ شرعي: قطيعة الرحم بينه وبين أخته، وذكّره بأن الأعمال تُرفع كل اثنين وخميس فيُستثنى من بينه وبين أخيه شحناء حتى يصطلحا، وقال: الناس تعمّر أماير من الحسنات وأنت موضوع بسيط في الدنيا مخلٍّ أعمالك لا تُرفع. وأما الرؤيا الثانية فقرأها تحذيراً من مفسدٍ يدخل بين الإخوة الشركاء ليزيّن لهم الانفصال، ورجّح أنه شخص قريب منه يزيّن له الاستقلال وترك العمل مع إخوته؛ واستبشر بأن الإخوة هم الذين ردّوه في الرؤيا.
تفصيل ذلك في الحوار الكامل أدناه.
الحوار كما جرى
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
ناخذ الأخ متعب من السعودية… عليكم السلام يا متعب.
- متعبصاحب الرؤيا
السلام عليكم… الله يجزاك بالخير يا شيخ.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
هلا حبيبنا، مرحبا.
- متعبصاحب الرؤيا
عندي حلمين يا شيخ. الحلم الأول: حلمتُ — وكأني دائماً أحلم بهذا الحلم — إني دايم أسقط من على شيء عالٍ، إمّا من فوق عمارة أو من فوق جبل. وفي منتصف الحلم وأنا ساقط أقوم مفزوعاً.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّرسؤال غيّر مسار التفسير
طيب، وأنت يا متعب كم عمرك؟
- متعبصاحب الرؤيا
عمري اثنين وعشرين.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّرسؤال غيّر مسار التفسير
طيب، هل تعرّضت لسقوط متكرر في الدراسة؟
- متعبصاحب الرؤيا
الدراسة… مرّة وحدة بس.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
تخاف من السقوط، تخاف من تكرار الفشل.
- متعبصاحب الرؤيا
تقريباً كذا.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
هذا هو، هذا المعنى يا متعب. لا بدّ أن تعرف أن هذه الحياة فيها النجاح وفيها الفشل، وليس هناك أحد سعيد دائماً في هذه الحياة؛ لكن لا يكون هذا الخوف يأسرك ويجعلك لا ترتقي في سلّم المجد وفي سلّم الدراسة. فحاول — لكي تتغلّب على هذا الفشل الذي أصبح مثل البعبع لك — أن يكون استعدادك أقوى من المعركة اللي أنت تبي تُقدم عليها، سواء كانت مادة دراسية أو مستوى دراسياً أو اختباراً؛ حاول أن يكون استعدادك قوياً زائداً يا متعب. سقوطك هذا تقول من جبل؟
- متعبصاحب الرؤيا
أحياناً عمارة وأحياناً جبل.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّرسؤال غيّر مسار التفسير
طيب، هل عندك يا متعب نوع من أنواع العقوق لأحد ممن يجب عليك برّه؟
- متعبصاحب الرؤيا
نوع من أنواع إيش؟
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
العقوق.
- متعبصاحب الرؤيا
لا، ما فيه.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
يعني أنت بارّ بالوالد والوالدة، أكيد… والجدّ والجدّة مثلاً موجودين، والخال والعمّ اللي يجب عليك زيارته، والإخوان…
- متعبصاحب الرؤيا
كلّهم الحمد لله.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّرسؤال غيّر مسار التفسير
ما عندك قطيعة رحم؟
- متعبصاحب الرؤيا
يعني في شي… بعض الشي.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
في بعض الشيء؟ مع مَن؟ مع واحد يجب عليك برّه وأن تروح وتعتذر منه، ولا شخص مثلك صديق مثلاً؟
- متعبصاحب الرؤيا
لا لا، زي… الأخت.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
في عقوق.
- متعبصاحب الرؤيا
نعم.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
طيب، وش اللي يخلّيك تنتظر وعملك لا يُرفع؟ الأعمال تُرفع كل اثنين وخميس يا متعب، فيُغفر لكل امرئ إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظِروا هذين حتى يصطلحا. ما الذي مانعك؟ الناس قاعدة تعمّر أماير من الحسنات، وأنت يا متعب موضوع بسيط في الدنيا مخلٍّ أعمالك لا تُرفع إلى الله سبحانه وتعالى. واضح كلامي؟
- متعبصاحب الرؤيا
الله يجزاك بخير. عندي الحلم الثاني طال عمرك. حلمتُ ولا كأني أنا وإخواني — لي إخوان، إحنا أربعة إخوان، وطبعاً دائماً في كل حاجة، في أشغالنا في كل شي إحنا دائماً سوا — وحلمتُ في يوم من الأيام كأنه نتفاوض مع ناس ما نعرفهم، وجينا طالعين من عندهم، والتفتُّ أنا للورا، لاحظتُ شخصاً برمينا معه زي البندقية، وصحتُ أنا، والتفّ عليّ إخواني — ولكن إخواني كلّهم يحمل سلاحاً — وأطلقوا عليه وقتلوه؛ وبقينا محتارين للشي هذا، وانتبهتُ من النوم برضه مفجوعاً.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
أنت ما أطلقتَ عليه؟
- متعبصاحب الرؤيا
لا، ما أطلقتُ أنا… اختبيت.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
اختبأت؟
- متعبصاحب الرؤيا
نعم.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّرسؤال غيّر مسار التفسير
تقول أنتم أربعة إخوان ومتشاركين… متشاركين، وش معناها؟
- متعبصاحب الرؤيا
يعني في حياتنا كلّنا سوا، ما حنا مختلفين في حاجة، دايماً نحبّ بعضنا.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّرسؤال غيّر مسار التفسير
لكن بينكم مثلاً مشاريع تجارية؟
- متعبصاحب الرؤيا
تقريباً كذا، في مشاريع تجارية.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
احذروا من سوسة تدخل بينكم.
- متعبصاحب الرؤيا
نحذر من سوسة تدخل بيننا؟
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
يعني أحياناً بعض المفسدين يدخلون في بعض الأعمال، أو يشوفون ناساً متوفّقين فيدخل واحد بينهم بقصد الإفساد؛ فاحذروا إذا في أحد مثلاً داخل بينكم عارضين عليكم شيئاً. انتبهوا — يعني أنتم الآن شراكة وإخوان، لكن قد يأتي أحياناً شخص يزيّن لكم موضوعاً، أو يزيّن لكم مثلاً الانفصال؛ فإذا كان هذا واقعاً الآن فانتبهوا يا متعب، ربما يكون في الرؤيا ما يدلّ على وجود مثل هذا. لكن أنا سعيد أن الإخوان أطلقوا عليه وأنت اختبأت. أظنّ أنه سيكون يا متعب — يبي يكون الشخص قريباً منك، هذا الإنسان. يعني يا متعب، أظنّ أن واحداً يدخل عليك أنت يزيّن لك مثلاً الاستقلال وترك العمل مع الإخوان.
- متعبصاحب الرؤيا
فجزاك الله خير يا شيخ.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
شكراً يا متعب، الله يسلّمك.
ما تأكّد من تفسيرها
تأكّد التفسير في المكالمة نفسها، وما تأكّد واقعٌ قائم وقت الرؤيا لا شيء وقع بعدها. سأله المفسّر: «هل تعرّضت لسقوط متكرر في الدراسة؟» فأقرّ: «مرّة وحدة بس»، ثم عرض عليه الاستنباط: «تخاف من السقوط، تخاف من تكرار الفشل»، فأجاب: «تقريباً كذا». ثم استنبط من الرؤيا وجود عقوقٍ لمن يجب عليه برّه، فنفاه متعب أول مرّة: «ما فيه»؛ فأعاد المفسّر السؤال بلفظٍ آخر: «ما عندك قطيعة رحم؟» فأقرّ: «يعني في شي… بعض الشي»، ولمّا سُئل عمّن، عيّنها: «زي الأخت»، وأقرّ بأنها عقوق بقوله «نعم». وفي الرؤيا الثانية استنبط المفسّر من كون الإخوة الأربعة «متشاركين» أن بينهم شراكة تجارية قائمة، فسأل: «لكن بينكم مثلاً مشاريع تجارية؟» فأقرّ متعب: «تقريباً كذا، في مشاريع تجارية». وأما التحذير من المفسد الداخل بينهم فلم يرد في المكالمة ما يفيد وقوعه.
الفائدة المنهجية
الرؤيا المتكرّرة عند المفسّر ليست رمزاً يُفكّ ابتداءً، بل عَرَضٌ يُبحث عن سببه في يقظة الرائي؛ ولذلك لم يبدأ بتأويل بل بسؤالين: كم عمرك؟ وهل تعرّضت لسقوط متكرر في الدراسة؟ فربط سقوط المنام بسقوط الدراسة — والعربية تسمّي الرسوب سقوطاً — وسنّ الثانية والعشرين موضع الاختبارات والمستويات، فاستقام المعنى بإقرار الرائي نفسه لا بدعوى المفسّر.
وأدقّ ما في هذه المكالمة أنه لم يقف عند التفسير النفسي بعد أن استقام له، بل فتّش عن مانعٍ شرعي يفسّر تكرار التعثّر، فسأل عن العقوق. ولمّا نفاه متعب — «ما فيه» — لم يقبل النفي الأول ولم يمضِ، بل عدّد له من يجب برّهم (الوالدان، الجدّ والجدّة، الخال والعمّ، الإخوان)، ثم أعاد السؤال بلفظٍ آخر: «ما عندك قطيعة رحم؟» — فظهر بهذا اللفظ ما أغلقه اللفظ الأول، وانتهى إلى الأخت. وهذه فائدة منهجية تُلتقط: تغيير عبارة السؤال قد يفتح باباً أوصده المصطلح، لأن الرائي قد يفهم «العقوق» في الوالدين وحدهما.
وفي الرؤيا الثانية انتقل من الرمز إلى الحكم بمفتاحين: أن المعتدي جاء من خارج الجماعة لا من داخلها، وأن الإخوة هم الذين ردّوه وأن الرائي اختبأ ولم يُطلق. فقرأ الخطر آتياً من دخيلٍ على الشراكة، وجعل عقد النجاة في الإخوة أنفسهم، فصار التحذير من «سوسة» تدخل بينهم لا تحذيراً من الإخوة. ثم عيّن جهة الخطر في الرائي بعينه — «يزيّن لك مثلاً الاستقلال وترك العمل مع الإخوان» — لأنه هو الذي انفرد في الرؤيا بالاختباء دونهم، فأنزل انفراده في المنام على انفرادٍ يُخشى عليه في اليقظة.