رأيت رجلاً يحفر عند البئر في بيتي وخضرة تمتد بلا نهاية، فما تفسير رؤياي؟
لطيفة من الكويت، مطلقة منذ سبع سنين وتعول خمس بنات، رأت رجلاً لا تعرفه يحفر عند بئر في بيتها يريد أن يزرع، وخضرة ممتدة إلى ما لا نهاية، وألحّت على أن ما رأته أشبه باليقظة منه بالمنام. سألها المفسّر إن كانت تخطط لعمل خيري فأقرّت، ففسّر الحفر والزرع بصدقة جارية لها ولذريتها ولوالديها، وقد توفيت أمها قبل اثنين وأربعين يوماً.
نص الرؤيا
كنت نائمة قبيل أذان المغرب، واضعة يدي اليسرى على وجهي — وهذه عادتي في النوم لا أنام إلا بها — فرأيت عندي بئراً في البيت، ورجلاً يحفر عند البئر يريد أن يزرع. رجل طويل عريض المنكبين، حسن الهيئة ما شاء الله عليه، كشف عن وجهه فرأيت شيئاً منه، ولا أعرفه، وعليه دشداشة. وأنا قاعدة في الوسط أنظر إلى الأمام وأقول: يا رب، يا رب. وحولي خضرة ممتدة إلى ما لا نهاية.
وقد أحسست بالهواء يحركني حتى خُيّل إليّ أن ما رأيته حقيقة في اليقظة لا منام.
الخلاصة
قرأ المفسّر مشهد الحفر عند البئر وإرادة الزرع والخضرة الممتدة على أنه صورة لعمل خيري تخطط له صاحبة الرؤيا، وقرّر أن هذا العمل سيكون بإذن الله صدقة جارية لها ولذريتها ولوالديها، وسبباً من أسباب رفعتها، وأجراً يبلغها في قبرها بعد عمر طويل. ولما تبيّن أن مقصدها برّ أمها المتوفاة حديثاً، وجّهها إلى الدعاء أولاً ثم الصدقة الجارية، ودلّها — بما يناسب حالها المالية — على مبلغ يسير في رعاية الأيتام أو فكّ المساجين أو الإنفاق على المساجد.
تفصيل ذلك في الحوار الكامل أدناه.
الحوار كما جرى
- لطيفةصاحب الرؤيا
الله يعطيك العافية يا شيخ.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
الله يعافيك، حيّا الله لطيفة.
- لطيفةصاحب الرؤيا
الله يسلمك ويعطيك العافية، في ميزان حسناتك. والله ما أسمع.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
يا إخوان، ارفعوا الصوت. ها لطيفة، أسمعك الحين؟
- لطيفةصاحب الرؤيا
الله يبارك فيك. قبل ما يأذن المغرب، وأنا نائمة حاطة يدي اليسرى على وجهي، شفت في رجّال يحفر بئراً. عندي بئر في البيت، والرجّال هذا قاعد يحفر عند البئر، عريض المنكبين، طويل، ما شاء الله عليه، هيئته حلوة، وكشف عن وجهه فشفت شوياً منه. وهو قاعد يحفر، وأنا قاعدة في الوسط، وأشوف قدامي للأمام خضرة، وأقول: يا رب، يا رب.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
اللي كان يحفر البير، عرفتيه؟
- لطيفةصاحب الرؤيا
لا أعرفه والله.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
وش عليه من الملابس؟
- لطيفةصاحب الرؤيا
عليه دشداشة.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
طيب، لما حفر البير…
- لطيفةصاحب الرؤيا
ما حفر البير؛ هو يحفر عند البير يبي يزرع، والبير عندي في البيت.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّرسؤال غيّر مسار التفسير
هذا بالحقيقة ولا بالرؤيا؟
- لطيفةصاحب الرؤيا
تبي الصراحة؟ أنا ما شفته حلماً.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
وشنو ما شفتيه حلم؟ يعني شيء رأيتيه قدامك وأنتِ مستيقظة؟
- لطيفةصاحب الرؤيا
وأنا نائمة… أنا من النوع اللي لازم تحط يدي اليسار على وجهي.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
زين، إذا حطيتي يدك اليمين على وجهك، وش يصير؟
- لطيفةصاحب الرؤيا
هي اليمين أو اليسار سواء، لكن هذا من فترة.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
لا لا، إنتي الحين تقولين إن هذا الشي ما هو بحلم.
- لطيفةصاحب الرؤيا
ما هو حلم. كأني أقول لك: حسّيت بالهوى يحركني يا شيخ، الهوى.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
بالحقيقة، هل الهوا حرّكك؟
- لطيفةصاحب الرؤيا
الهوا يحركني، كأني جاهزة.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
يعني شوفي يا لطيفة، أنتِ تبغين توصّلين لي فكرة: إلى أن اللي شفتيه ما كأنه رؤيا، كأنه حقيقة.
- لطيفةصاحب الرؤيا
الله أعلم يا شيخ، أنا حسّيت… خضار ممتد إلى ما لا نهاية.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
أحياناً الرؤيا تسيطر على صاحبها، حتى إن بعض الناس يرى في المنام مسكاً، فيقوم من النوم ويقول: يديني كنت أشمّ رائحتها مسكاً.
- لطيفةصاحب الرؤيا
يا سبحان الله! إنت أبخص يا شيخ، يعني هذا يدل على قوة تأثير الرؤيا.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
وأحياناً واحد يشوف واحداً يطقّه، فيقوم من النوم ويقول: جسمي فيه ألم، حتى كان في جسمي احمرار من الضرب. هذا كله بسبب قوة تأثير هذه الرؤيا على أصحابها.
- لطيفةصاحب الرؤيا
شتفسيرها يا شيخ؟ شتفسيرها؟
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
احنا قاعدين نفسّر، ما قعدنا نضيّع وقتنا. وكلامك إنك ما كنتي في الحلم غير صحيح؛ إنتي كنتي في الحلم.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّرسؤال غيّر مسار التفسير
زين، الرؤيا يا لطيفة… أنا بسألك سؤالاً: أنتي الحين قاعدة تخططين لمشروع خيري؟ عمل برّ، عمل خيري، قاعدة تخططين له؟
- لطيفةصاحب الرؤيا
نعم، نعم.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
بإذن الله تعالى، اللي شفتيه هو هذا العمل الخيري اللي قاعدة تخططين له. هذا سيكون بإذن الله تعالى صدقة جارية لكِ ولذريتك ولوالديك. وأبشري بالخير، سيكون إن شاء الله تعالى سبباً من أسباب رفعتك، وأجراً تؤجرين عليه وأنتِ في قبرك بعد عمر طويل مبارك.
- لطيفةصاحب الرؤيا
الله كريم.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
واضح كلامي؟ تبين شيء ثاني؟
- لطيفةصاحب الرؤيا
لا والله، ما عندي رؤيا ثانية. تأمر بشي ثاني؟
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
ما يأمر عليك إلا كل خير. وهذا حلم خير إن شاء الله، خير جداً.
- لطيفةصاحب الرؤيا
الله يعطيك العافية وبارك الله فيك. لأن والدتي توّها متوفاة، لها اثنان وأربعون يوماً.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
الله يرحمها.
- لطيفةصاحب الرؤيا
الله يرحمها. أمي امرأة ذكية، سبحان الله… وشفت لها مناماً أنها في الجنة.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
الله يرحمها ويجعل فيك بركة. وأنتِ وش تبين تسوين لها يا لطيفة؟
- لطيفةصاحب الرؤيا
والله أنا إنسانة على قدر ما كسبت؛ اللي الله يعطيني عليه إن شاء الله أسويه.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
وش اللي قاعدة تخططين له الحين؟ تبين تسوين إيش؟
- لطيفةصاحب الرؤيا
إنصحني يا شيخ، وشنو اللي أقدر أسويه؟
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
أنتي تبين تسوين لها عمل برّ. «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية…». إنتي تفكرين بصدقة جارية، بس وش العمل؟
- لطيفةصاحب الرؤيا
شنو تنصحني يا شيخ؟
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
أحسن شيء الدعاء، ثم الصدقة الجارية. ممكن تبنين لها مسجداً مثلاً، أو تحطين لها مالاً في وجه من وجوه الخير. ورجل خير إن شاء الله.
- لطيفةصاحب الرؤيا
يمكن اللي في هالبير هذا هو أنت يا شيخ.
- لطيفةصاحب الرؤيا
اسمعني يا شيخ: أنا امرأة مطلقة لي سبع سنين، وعندي خمس بنات، وأنا الكافية المتكفّية فيهم، وأبوهم يعطيهم الشي القليل، وراتبي أربعمئة وسبعون، وساكنة بإيجار مئتين وخمسين ديناراً. شتنصحني؟ أنا ما أبي أظلم عيالي ولا أبي أظلم نفسي، ولا أبي أظلم أمي؛ أنا أحبها وأبي أبرّها، وما أبي عملها ينقطع في الدنيا، لأن أمي كانت خيّرة، امرأة يدها معطاءة.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
خلاص، تصدّقي عنها يا لطيفة. حطي لها ولو مبلغاً بسيطاً في دعم أيتام، أو حطي لها مبلغاً بسيطاً في فكّ المساجين عندكم، أو مبلغاً بسيطاً في الإنفاق على المساجد. هذا بإذن الله يكون له أثر كبير في الأجر.
- لطيفةصاحب الرؤيا
الله كريم، الله يعطيك العافية يا شيخ، الله يفتحها بوجهك دنيا وآخرة، ويزيدك من بركاته.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
الله يعطيك العافية. شكراً لطيفة.
ما تأكّد من تفسيرها
لم تذكر لطيفة قبل التفسير شيئاً عن مشروع خيري، بل كان الحوار كله منشغلاً بدعواها أن ما رأته يقظة لا مناماً. وبعد أن استوفى المفسّر عناصر الرؤيا سألها مباشرة: «أنتي الحين قاعدة تخططين لمشروع خيري؟ عمل برّ؟» فأقرّت: «نعم، نعم».
ثم ظهر في آخر الحوار ما يفسّر ذلك، إذ ذكرت أن والدتها «توّها متوفاة، لها اثنان وأربعون يوماً» وأنها تريد لها عملاً لا ينقطع. فالواقع الذي استنبطه من حفر البئر وإرادة الزرع كان قائماً وقت الرؤيا، وأقرّت به صاحبتها في المجلس نفسه.
الفائدة المنهجية
بدأ المفسّر بمعالجة اعتراض صاحبة الرؤيا نفسه — إصرارها على أن ما رأته حقيقة لا منام — ولم يهملها ولم يجارِها، بل قرّر قاعدة: «الرؤيا تسيطر على صاحبها»، وضرب لها مثلين محسوسين (من يشمّ المسك بعد اليقظة، ومن يجد أثر الضرب في جسده). وبهذا أعاد المادة إلى بابها: رؤيا تُعبَّر، لا واقعة تُروى. ثم ردّ عليها الشطر الثاني من دعواها بقوله: «إنتي كنتي في الحلم»، لأن حضورها في المشهد ركن في التفسير — فهي الجالسة وسط الخضرة تدعو.
وفي الانتقال من الرمز إلى الحكم قرأ العناصر جملة واحدة لا مفرّقة: حفرٌ في بئر عندها هي، ونيّة زرع، وخضرة ممتدة إلى ما لا نهاية — أي عمل يُبذل اليوم ويؤتي ثمره بعدُ ويمتدّ. وهذا بعينه حدّ الصدقة الجارية. ولم يجزم قبل أن يستوثق، بل عرض الاستنباط على صاحبته في سؤال واحد مغلق قبل أن يبني عليه شيئاً. ولما تبيّن مقصدها انتقل من التعبير إلى التوجيه العملي، وقدّر حالها المالية فوصف لها «مبلغاً بسيطاً» ولم يحمّلها بناء مسجد بعد أن سمع براتبها وإيجارها وبناتها الخمس.