سحبت قلادة ذهب من ميزاب مبنى عالٍ ووجدت تحت السجاد أكياس خبز ولوز، فماذا تعني؟
اتصلت نوف من السعودية بعد فجر اليوم نفسه تحكي رؤيا مزدحمة بالرموز: مبنى عالٍ سحبت من ميزابه قلادة ذهب قديمة، وسطح مفروش بالزل الأحمر، وتحت السجاد أكياس فيها لوز وفستق وخبز طازج، وكيس فشك تركته مكانه. فلم يفسّر الشيخ الرموز مفردة، بل قرأ ازدحامها نفسه: ذهنٌ مشتّت أمام قرار لم يُحسم، فأقرّت بذلك، وأحالها على الاستخارة وعلى مستشار من أهلها.
نص الرؤيا
رأت نوف — بعد صلاة الفجر من اليوم نفسه — مبنى عالياً، وهي على جدار من خارج المبنى، في وسطه تقريباً قُبيل السترة بقليل، وكأنها واقفة على جسر أو درج، والناس من حولها تحتها. فمدّت يدها في فتحة الميزاب الذي يوضع لتصريف الماء، فأخرجت منه قلادة ذهب كبيرة من الطراز القديم، شكلها جميل جداً، فيها فصوص لونها عنّابي يميل إلى البنفسجي.
فقالت للناس من حولها وأفهمتهم أن هذه وضعتها امرأة هنا، وقالت في نفسها إنه لا بد أن تعرف صاحبتها، ولا تكون لها إلا إن لم تجدها. ثم صعد الناس إلى سطح المبنى يبحثون عن شيء، فصعدت معهم، فوجدت السطح مفروشاً بالزل الأحمر، كأنه أُقيمت عليه حفلة.
فأسرعت إلى موضع الميزاب الذي سحبت منه الذهب من الخارج، ورفعت السجادة عنه، فوجدت تحته أكياساً: كيساً فيه فستق ولوز، منه المقشَّر ومنه المقشور، فصارت تأخذ منها وتضع في السلة التي معها. ثم طلعت لها أكياس أخرى فيها خبز، أرغفة كبيرة الحجم، أعجبها شكلها ولونها، وشمّت ريحتها فإذا هي طازجة، فتعجّبت: كيف لم تخرب ولم تتعفّن في هذا المكان؟ وقالت: لا بد، شكراً لنعمة الله عليّ وتقديراً لها، أن أشكر الله عليها وأضعها في المكان المناسب.
وآخر كيس أخذت منه وجدت فيه فشكاً — رصاص أسلحة — فتركته مكانه. واحتاجت كيساً آخر فاضياً تعبّي فيه من أكياس الخبز واللوز، فصارت تنادي الناس من حولها وهم كثير: أعطوني كيساً فاضياً، فما ردّ عليها أحد. ثم نزلوا وانتهت الرؤيا.
الخلاصة
لم يقف الشيخ عند رموز الرؤيا مفردة، بل استوقفه تداخلها وكثرتها، وأعاد سردها مجموعةً: مبنى عالٍ، وجدار، وقلادة ذهب، وسطح مفروش بالزل، ثم خبز ورصاص، ورائحة طازجة، وناس كثير — وقال: «كأنك تأخذين من كل بستان زهرة ومن كل بحر قطرة».
فجعل ازدحام الرؤيا نفسه هو الدلالة: أن صاحبتها مشتّتة ذهنياً في مواضيع لا تدري أيّها الوجهة الصحيحة لها، وأن أمامها موضوعاً تريد فيه قراراً ولم تحسمه.
ثم صرّح بحدّ علمه فقال: «هذا تفسير الرؤيا، لكني ما أدري كيف أفيدك، لا بد نأخذ ونعطي أكثر من كذا»، وأوصاها بأمرين: الاستخارة، ومستشارٍ من أهلها ترضى برأيه وفكره وتحترم قراراته. فلما ذكرت أخاها قال لها: استعيني بالأخ، وقولي له إني مشتتة وعندي موضوع.
تفصيل ذلك في الحوار الكامل أدناه.
الحوار كما جرى
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
الأخت نوف من السعودية… نوف؟ الصوت منخفض يا نوف، تفضّلين.
- نوفصاحب الرؤيا
نعم… الدكتور معي؟ الرؤيا اللي أنا شفتها…
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
معاك يا نوف، بس ما أسمعك زين… تفضّلي. ألو… نعم يا نوف.
- نوفصاحب الرؤيا
أيوه، الرؤيا اللي أنا شفتها في المنام: إنه فيه مبنى عالي، عالية مبنى، وأنا على جدار من خارج المبنى. مدّيت يدي وأخرجت من الميزاب حق المبنى اللي يحطونه عشان الماي وكذا… قلادة ذهب كبيرة، من الحجم الكبير، الطراز القديم. والناس من حولي تحت مني، وأنا كأني على جسر أو على درج. فأقول للناس وأفهّم الناس اللي حولي إن هذي تراها وحدة حاطّتها هنا. وأنا في نفسي أقول: يعني لازم إني أعرف بهذي… ما يكون لي هذا إلا إذا ما وجدت صاحبته. الناس راحوا وطلعوا على سطح المبنى يبحثون عن شي زي كذا يعني.
- نوفصاحب الرؤيا
فرحت معهم أنا. ولقيت سطح المبنى هذا مفروش بالزل الأحمر، وكأنه كان مقام عليه مثلاً حفلة وزي كذا.
- نوفصاحب الرؤيا
رحت أنا على طول، أسرعت للمكان اللي فيه الميزاب اللي كنت أنا بالخارج سحبت منه الذهب، رفعت السجادة عنه، لقيت مكان الميزاب هذا أكياس. الكيس هذي فيها فستق، وفيها اللوز، فيه شي مقشّر وفيه شي مقشور، لكنه بأكياس. آخذ أنا وأحطّ في السلة اللي معي، وأنا آخذ من الأكياس، ويطلع لي أكياس ثانية فيها خبز، كبيرة، حجم كبير. تعجّبت من شكلها ولونها حلو، وشممت ريحتها وإلا ريحتها كأنها طازجة. تعجّبت أنا وقلت: شلون سبحان الله هذي في هذا المكان! ولا هي خربانة ولا هي معفّنة. لازم — سبحان الله، على إن الله أعطاني هذي النعمة — إني أشكر الله عليها وأحطّها في المكان المناسب، شكراً لنعمة الله عليّ وتقديراً لهذي النعمة.
- نوفصاحب الرؤيا
وآخر شي… الكيس الأخير اللي فيها فشك، يعني رصاص حق أسلحة، تركته مكانه.
- نوفصاحب الرؤيا
وأنا محتاجة كيس ثاني فاضي عشان أعبّيه من هذي الأكياس اللي فيها الخبز واللوز. وبعد كذا صرت أنادي الناس من حولي كثير، لكن الناس اللي حولي ما يردّون عليّ، أقول أنا: أعطوني كيس فاضي، ما أحد ردّ عليّ. نزلنا وانتهت الرؤيا لحدّ كذا يعني.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
ولا باقي فيها شيء؟
- نوفصاحب الرؤيا
لا.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّرسؤال غيّر مسار التفسير
نعم يا نوف، أنتِ تقولين في البداية فيها مبنى عالي؟
- نوفصاحب الرؤيا
نعم، البناية… وأنا من برّا. وأنا قلت لك: وجدت نفسي على نص المبنى، في الوسط يعني، قبل السترة بشوي، عند الحصّة اللي فيها الميزاب حق المويا. أنا على شي مرتفع كأنه جسر تحتي أو درج، مدّيت يدي كذا في الفتحة هذي حقّته، وطلعت وسحبت هذا الذهب. شكلها مرة جميل ولونها، فيها فصوص لونها عنّابي أو يميل إلى البنفسجي كذا.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
متى الآن يا نوف وقت الرؤيا؟
- نوفصاحب الرؤيا
اليوم الصباح، بعد صلاة الفجر.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
وش وضعك الدراسي؟
- نوفصاحب الرؤيا
أنا متخرّجة من…
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
متى؟ متى؟
- نوفصاحب الرؤيا
قبل سنتين.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
والآن، والوظيفة؟
- نوفصاحب الرؤيا
ما عندي وظيفة.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّرسؤال غيّر مسار التفسير
يعني ما توظّفتي. والزواج؟
- نوفصاحب الرؤيا
منفصلة.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
يعني أنا متعجّب يا نوف من موضوع في الرؤيا.
- نوفصاحب الرؤيا
وش الموضوع هذا؟
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
أنه متداخلة فيها أشياء كثيرة، يعني كأنك تأخذين من كل بستان زهرة ومن كل بحر قطرة. ففيه مبنى عالي، وعلى جدار، وفيه قلادة ذهب، وفيه سطح مبنى مفروش بالزل، وبعدين مفروش بخبز ورصاص، ورائحة طازجة وأكل طازج، وتقولين كيف ما خربت، والناس حولك كثير يعني. أنتِ يا نوف الآن تشعرين أنك مشتتة ذهنياً في مواضيع؛ عقلياً أنتِ تحسّين أنك مشتتة في مواضيع عندك، أنتِ تفكيرك مشتّت فيها، ما تدرين وش الوجهة الصحيحة لك.
- نوفصاحب الرؤيا
إي والله، أحياناً.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّرسؤال غيّر مسار التفسير
يعني الحين فيه موضوع أمامك تريدين فيه قرار لكنك متشتتة؟
- نوفصاحب الرؤيا
تقريباً.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
هذا تفسير الرؤيا، لكني ما أدري وش يعني… ما أدري شلون أفيدك الحقيقة، يعني لا بد ناخذ ونعطي أكثر من كذا. بس أظن أنك الآن بحاجة إلى مستشار أو مستشارة، وبحاجة إلى استخارة. ولعلّ الله سبحانه وتعالى ييسّر لك من أمرك رشداً في هذه المسائل التي أنتِ الآن مشتتة فيها، تستعينين الله فيها بالدعاء وتبحثين عن الرأي الصحيح. لكن في تشتّت… مَن أكثر واحد ترضين برأيه وبفكره وتحترمين قراراته؟
- نوفصاحب الرؤيا
لأخوي.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
طيب، استعيني بالأخ. قولي له: أنا مشتتة، عندي موضوع وفكري رايح يودّي ويجيب. فلعله إن شاء الله يساعدك في التفكير يا نوف.
- نوفصاحب الرؤيا
الله يبارك فيك.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
شكراً.
ما تأكّد من تفسيرها
تأكّد التفسير في المكالمة نفسها، على واقعٍ قائم وقت الرؤيا لا على شيء وقع بعدها. فحين قال لها: «أنتِ الآن تشعرين أنك مشتتة ذهنياً في مواضيع، ما تدرين وش الوجهة الصحيحة لك»، أجابت: «إي والله، أحياناً». ثم ضيّق السؤال فقال: «يعني الحين فيه موضوع أمامك تريدين فيه قرار لكنك متشتتة؟» فقالت: «تقريباً». ثم صدّقت القراءة عملياً حين سألها عمّن ترضى رأيه فسمّت أخاها من غير تردّد.
الفائدة المنهجية
الفائدة هنا في أنه فسّر شكل الرؤيا لا أفرادها. جمع بيانات الرائية أولاً — وقت الرؤيا (فجر اليوم نفسه)، والدراسة (متخرّجة قبل سنتين)، والوظيفة (لا وظيفة)، والحال الاجتماعية (منفصلة) — ثم طلب منها إعادة أول المشهد ليتثبّت من موضعها من المبنى.
وبعدها فعل شيئاً قلّ من يفعله: أعاد سرد الرموز مجموعةً في نفس واحد — مبنى وجدار وقلادة وزل وخبز ورصاص ورائحة طازجة وناس كثير — فلمّا بان أن رموزها لا تنتظم في خيط واحد، جعل هذا التبعثر نفسه هو الدلالة، ونقلها من المرئي إلى الرائي: ذهنٌ مشتّت أمام قرار. ثم لم يترك القراءة تخميناً، بل ثبّتها بسؤال إقراري ضيّق: «فيه موضوع أمامك تريدين فيه قرار لكنك متشتتة؟».
ويُلاحظ أنه وقف عند حدّ علمه، فقال صراحةً: «هذا تفسير الرؤيا لكني ما أدري شلون أفيدك، لا بد ناخذ ونعطي أكثر من كذا»، ولم يتكلّف تأويل الذهب والخبز والفشك رمزاً رمزاً، بل أحال على الاستخارة وعلى مستشار من أهلها — وهو صرفٌ للسائل إلى ما ينفعه لا إلى ما يُطرِبه.