عمتي المتوفاة جاءتني بلباس أزرق وقالت: الظلمات لكم أنتم يا رجال، فما تأويلها؟
محمد رأى عمته — أخت والده — المتوفاة قبل رمضان بثلاثة أسابيع، تحضر مناسبة عزيمة وعليها لباس أزرق فاتح، فسألها مستغرباً كيف حضرت وهي قد ماتت، فقالت له: الظلمات لكم أنتم يا رجال، وفهم منها أن الدفن في القبور للرجال دون النساء. ثم تكررت الرؤيا بصورة أخرى: رآها في مناسبة زواج وهي آخذة ابنته المولودة في نهاية رمضان تسلّم عليها.
نص الرؤيا
له عمة — أخت والده — توفيت قبل رمضان بثلاثة أسابيع تقريباً. رآها في المنام في مناسبة عزيمة أو ما يشبهها، وعليها لباس أزرق فاتح، فسألها مستغرباً كيف حضرت.
فردّت عليه وقالت: «الظلمات لكم أنتم يا رجال». وفهم من كلامها أنها تقصد أن الذي يُدفن في القبور هم الرجال فقط دون النساء.
ثم تكررت الرؤيا مرة أخرى بصورة غير الأولى، وكان قد رُزق بمولودة في نهاية رمضان: رأى عمته في مناسبة زواج، وكانت موجودة آخذةً ابنته، قاعدةً تسلّم عليها. وكان يتمنى في الواقع لو أن عمته رأت المولودة قبل أن تموت.
الخلاصة
لم يقرأ الدكتور فهد اللباس الأزرق ولا حضور الميتة على أنه خبر عن حال العمة، بل تعلّق بالخطاب الموجّه إلى الرائي نفسه: «الظلمات لكم أنتم يا رجال» تحذير له هو. وربطه بما أقرّ به محمد من التسرّع في الألفاظ التي فيها معصية، فجعلها رؤيا صريحة مباشرة محذّرة منذرة، وأمره أن يتعاهد نفسه ويطهّر لسانه ويفتّش عن ذنوبه، وبشّره بأن اعترافه بداية الخروج من النفق، وأن الرؤيا ستكون إن شاء الله سبباً من أسباب ارتقائه وتحسّن قوله وعمله.
تفصيل ذلك في الحوار الكامل أدناه.
الحوار كما جرى
- محمدصاحب الرؤيا
السلام عليكم.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
الله يحيّيك. الله يحيّيك يا محمد.
- محمدصاحب الرؤيا
مساك الله بالخير يا شيخ. الحقيقة عندي عمتي — أخت الوالد — متوفية قبل رمضان بثلاثة أسابيع تقريباً. الرؤيا اللي طرَيتها في المنام: جاءت وعليها لباس أزرق فاتح كذا، في مناسبة عزيمة أو حاجة زي كذا. فتساءلت يعني كاستغراب: ليه؟ غريبة! كيف حضرتِ؟ فردّت عليّ وقالت: الظلمات لكم أنتم يا رجال. يعني كأنها تقول لي إن الحريم ما يُدفنون.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
أيش؟ الحريم؟ الحريم وش؟
- محمدصاحب الرؤيا
كأنها بالمعنى تقول إن اللي يُدفن في القبور هم الرجال فقط.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
إي.
- محمدصاحب الرؤيا
وإلا التعبير جاء منها هي، أنها تقول: الظلمات لكم أنتم يا رجال فقط. أوكي، انتهت الرؤيا. بعدين تكررت الرؤيا، بس مو نفسها: جاءتني مولودة في نهاية رمضان، وكنت فعلاً في الواقع أقول: يا ليت عمتي شافت المولودة قبل أن تموت. فحلمت إنها في مناسبة زواج، وكانت موجودة وآخذة طفلتي وقاعدة تسلّم عليها.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
طيب، بالحقيقة يا أخوي محمد: هل أنت تضايقت لما رُزقت بأنثى؟
- محمدصاحب الرؤيا
لا.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
أو كنت تمنّي النفس بولد؟
- محمدصاحب الرؤيا
كنت أقول: اللي يجي الله يحيّيه، كذا أو كذا. يعني ممكن بعض الناس يطمح في الولد وزي كذا، ولكن للأمانة أنا مسرور بكل الحالتين، لأنه أول طفل عندي، أول واحد. الله إن شاء الله يجعلها صالحة.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّرسؤال غيّر مسار التفسير
الله يسلمك، الله يسلمك. طيب يا محمد، بالحقيقة: هل أنت أحياناً تستعجل ببعض الألفاظ وتقول ألفاظاً فيها معصية، كالحلف بالطلاق؟ وتنذر ولا توفي؟ عليك مآخذ في الألفاظ؟ تلعن أحياناً؟
- محمدصاحب الرؤيا
نعم.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
أنا أتصوّر أن هذه الرؤيا محذِّرة لك ومنذِرة، ولعل الله سبحانه وتعالى يجعلك بعدها ممن يتأثر فيتحسّن لفظه ويتحسّن عمله. فاحذر أن تكون في ظلمات يا محمد؛ وهي رؤيا صريحة مباشرة لك. والحمد لله، طالما أنك اعترفت فالاعتراف بداية الخروج من عنق الزجاجة وبداية الخروج من النفق. فحاول أن تطهّر ألفاظك، وأن تتعاهد نفسك، وأن تفتّش عن ذنوبك: هل أنت سالم؟ وحاول أن تخرج من هذه الذنوب، وأن تطهّر لسانك من بعض الأشياء التي قد يكون فيها معصية، وقد يكون فيها — ولا أخفيك — شرك أصغر. فاحذر، احذر.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
ترى الناس اللي تُرسَل لهم هذه الرؤى يا محمد ناس عندهم إرسال صافٍ — يعني وهم نائمون جهاز الإرسال عندهم صافٍ، يلتقط هذه الإشارات التي تجي من هذا العالم النقي، أقصد به عالم الغيب. أما بعض الناس فإذا نام يحطّ سماعة الأغاني وينام وهو يسمع موسيقى، أو يكون مولّعاً الدش على قنوات عهر وينام؛ هذا عادة لا يستفيد من هذه الرسائل التي تأتي من عالم الماورائيات. فأنت يا محمد فيك خير، أسأل الله أن يجعل فيك خيراً. احذر، احذر، وحاول تطهّر الألفاظ عندك والأفعال من بعضها.
- محمدصاحب الرؤيا
معلش يا شيخ، يعني الواحد ما يبرّئ نفسه. الواحد يكون صريحاً مع نفسه، ولكن ما ألاحظ هذا الشيء عندي بكثرة بإفراط؛ موجود في بعض الحالات، في بعض الأحيان موجود، يعني الواحد ما يسلم من نفسه.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
يا محمد، طالما قلت لي إن العمة جاءت وعليها لبس أزرق، وطالما قلت لي إنها قالت لك: الظلمات لكم يا رجال — فتعاهد نفسك، واعلم أن هذه الرؤيا إن شاء الله تعالى ستكون سبباً من أسباب ارتقائك وتحسّن العمل والقول عندك بإذن الله تعالى. وكلنا خطّاء يا محمد، كلنا خطّاء.
- محمدصاحب الرؤيا
الله يبارك فيك، حيّاك الله.
ما تأكّد من تفسيرها
لم يبدأ التعبير من الرمز بل من حال الرائي: سأله المفسّر مباشرة عن التسرّع في الألفاظ وعن الحلف بالطلاق والنذر بلا وفاء واللعن، فأقرّ محمد في المكالمة نفسها بقوله «نعم»، ثم عاد فبسط الإقرار: «الواحد ما يبرّئ نفسه… ما ألاحظ هذا الشيء عندي بكثرة بإفراط، موجود في بعض الحالات، في بعض الأحيان موجود». فتأكّد بذلك واقع قائم وقت الرؤيا هو الذي بُنيت عليه قراءة «الظلمات»، وصرّح المفسّر بذلك فقال: «طالما أنك اعترفت فالاعتراف بداية الخروج».
الفائدة المنهجية
في الرؤيا رمزان بارزان — الميتة الحاضرة واللباس الأزرق — تركهما المفسّر جانباً وتعلّق بالجملة المنطوقة في المنام: «الظلمات لكم أنتم يا رجال»؛ لأن الكلام في الرؤيا إذا كان خطاباً مباشراً للرائي قُدّم على الصورة، وصار الميت فيه ناقلاً للرسالة لا موضوعاً لها. وقبل أن يحكم اختبر فرضيتين بسؤالين محددين: الأولى أن يكون الضيق بولادة الأنثى هو مصدر «الظلمة»، فنفاها محمد فأسقطها المفسّر ولم يعد إليها. والثانية أن تكون الظلمة ظلمة لسان، فسأل سؤالاً لا يحتمل التعميم ولا المجاملة: الحلف بالطلاق، النذر بلا وفاء، اللعن. فلما أقرّ الرجل استقرّ التأويل، وصار الرمز حكماً في باب القول. والفائدة: أن الفرضية في التعبير لا تُثبّت حتى يُقرّ بها صاحب الرؤيا، وأن السؤال المحدد أنفع من السؤال العام لأن العام يُجاب عنه بالنفي عادة.