مرضت خمس عشرة سنة ثم رأيت من يدخلني الجنة ويريني قصرا لم أستطع دخوله، فما تأويلها؟
أم فهد مريضة منذ خمس عشرة سنة بمرض لم يهتد إليه الأطباء ولم تجد له تشخيصا. في ليلة اشتد عليها فيها الوجع رأت من يناديها ألا تحزن ولا تفكر في المرض، ويأخذها في جولة يريها الجنة: عروسا يقال لها مريم، ونهرا حوله نخيل، وقصورا منها قصر الملك، وطفلا يضحك من وراء شجرة، ثم مرتفعا عليه قصر عليه حراس شعرت أنه قصرها فلم تستطع دخوله. فبشرها الدكتور فهد بأن هذا القصر منزلة تبنيها بصبرها على البلاء.
نص الرؤيا
تقول أم فهد إنها منذ سنوات تعاني مرضا، وأن تلك الليلة اشتد عليها المرض شدة كبيرة، فحاولت أن تنام ووضعت رأسها على الفراش. فما إن وضعت رأسها حتى سمعت من يكلمها ويقول لها: لا تحزني ولا تهتمي ولا تفكري في المرض، تعالي أريك الجنة. وهي لا ترى من يكلمها، إنما تسمع صوته.
فمر بها أولا في ممر مظلم شديد السواد، فسألته: ما هذا؟ فقالت له: أنا لا أريد هذا، أدخلني أتفرج على الجنة مباشرة كما قلت لي. فدخلت، فإذا المناظر جميلة إلى حد الانبهار، لا تقول في الرؤيا إلا: الله، الله.
وأول ما صادفها منظر عروس يزينونها ومن حولها نساء، فسألت: من هذه العروس؟ فقيل لها: هذه مريم. ثم طلبت أن يريها ما يأكل أهل الجنة فأدخلها مكانا، وكان في بالها أن طعامهم شاي أو حليب، ولم يتضح لها المشهد. ثم خرجت فإذا نهر وحوله نخيل، وكلما عرض عليها منظرا رفعه بسرعة قبل أن تتبينه.
ثم سألت عن قصرها، فرأت قصرا فقالت: أهذا قصري؟ فقيل لها: لا. وسألت عن القصر الذي قبله فقيل لها: هذا قصر الملك. ومشت فرأت عن يمينها ولدا صغيرا في التاسعة أو العاشرة يضحك لها من وراء شجرة كأنه يمازحها، يطل ثم يختفي ثم يطل.
ثم أصعدها إلى مرتفع ظهر لها كأنه صدر ناتئ، وعليه قصر عليه حراس، ووقر في نفسها أن هذا هو قصرها، فقالت: يا الله، يسر يا الله. غير أنها لم تستطع دخوله، كلما حاولت أن تفتح بابه امتنع عليها. ثم استيقظت وهي تقول: الله. ونظرت في الوقت فإذا هي لم تنم إلا دقائق.
الخلاصة
قرأ الدكتور فهد الرؤيا في ضوء حال صاحبتها لا في ضوء رموزها منفردة: امرأة ابتليت خمس عشرة سنة بمرض لم يعرفه الأطباء وصبرت. فبشرها بأن العبد إذا ابتلي فصبر كان له جزاء صبره، وأن ما يصيب المؤمن حتى الشوكة يكفر به عنه من خطاياه، وأن الله يجعل هذا المرض رفعة لها في الدرجات. وأما المرتفع الذي رأت عليه القصر فقال إنه المكانة التي تبنيها هي في الدنيا بصبرها على الابتلاء وبدعائها وصدق توكلها. ودعا لها بأن يفرج الله همها ويشفيها ويرفع قدرها. ولما ذكرت رؤيا أخرى متكررة عن ولد صغير أجل النظر فيها إلى اتصال آخر ولم يفسرها مرتجلا.
تفصيل ذلك في الحوار الكامل أدناه.
الحوار كما جرى
- أم فهدصاحب الرؤيا
الله يحييك يا أستاذ فهد. بالنسبة للرؤيا، كانت عندي قبل فترة ولم أقصها إلى الآن. أنا تعبانة لي سنوات، عندي مرض، الحمد لله رب العالمين. وتلك الليلة كنت تعبانة، اشتد علي المرض شدة كبيرة.
- أم فهدصاحب الرؤيا
فحاولت تلك الليلة أن أنام، وحطيت رأسي على الفراش. وأول ما حطيت رأسي إذا بأحد يكلمني ويقول لي: لا تحزني ولا تهتمي ولا تفكري في المرض، تعالي أريك الجنة. وأنا لا أرى من يكلمني، بس فيه صوت. فأدخلني، وقبلها كان عن اليمين ممر مظلم، لصق مظلم مرة يعني شكله أسود، مررت فيه. فقلت له: ما هذا؟ قلت له: لا، أنا ما أبغى، أدخلني أتفرج على الجنة على طول، أنت تقول لي بتفرجني في الجنة. فدخلت، وكانت المناظر مرة جميلة لدرجة أني في الرؤيا ما أتكلم إلا أقول: الله، الله، كأني منبهرة، أشعر بالانبهار. وأول ما صادفني منظر: رأيت عروسا يزينونها ومن حولها كذا. فقلت: من هذه العروس؟ المنظر ما يخلينا نشوف بالضبط، العروس واضحة ولكن من هي؟ قال: هذه مريم. ثم قلت له: ورني إيش يأكل أهل الجنة. فأدخلني على مكان، وكان في بالي أن أكلهم شاي أو حليب، ما كان واضحا، بس أنا كنت منبهرة، كلما أشوف شيئا أقول: الله. ثم طلعت وكان فيه نهر وحوله نخيل وأنا أمشي. وكلما وراني صورة يشيلها بسرعة، ما يخليني أشوفها زين، فما اتضح لي، بس شكلها مبهر. قلت: وين قصري؟ فلقيت قصرا، فقلت له: هذا قصري؟ قال: لا. قلت له: وهذا القصر الذي قبله؟ قال: هذا قصر الملك. فمشيت، وكان عن يدي اليمنى واحد، هو الآن رجل، لكنه في الحلم كان ولدا صغيرا يضحك لي من وراء شجرة وكأنه يمزح معي، يطالعني من الشجرة ويرجع ويختفي ويطالع ويرجع، ولد صغير عمره تسع أو عشر سنوات. ثم قلت: أنا أشوف قصري؟ فطلعني كذا، زي مرتفع، ظهر كأنه صدر، وعليه قصر وعليه حراس، وفي بالي أن هذا هو قصري. فقلت: يا الله، يسر يا الله. وبعد ذلك لم أطلع فيه، كلما أحاول أفتح بابه يمتنع علي. ثم صحيت من النوم وأنا أقول: الله. ونظرت في الوقت فاكتشفت أني ما نمت إلا دقائق.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّرسؤال غيّر مسار التفسير
الله يجعله خيرا إن شاء الله يا أم فهد. أول شيء يا أم فهد: المرض الذي تقولين اشتد عليك، وش مرضك؟
- أم فهدصاحب الرؤيا
والله يا دكتور هذا مرض من خمس عشرة سنة وما أدري ما هو. الحمد لله، ما تركت أطباء وما لقيت عندهم شيئا.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
يعني الذي ما لقوا له الأطباء علاجا، وش ماهيته يعني؟
- أم فهدصاحب الرؤيا
والله أنا نفسي ما أدري. الحمد لله. جبت الشيوخ وقالوا لي كلاما، صراحة ما ودي أصدق.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
زين، لكن الأطباء الذين ذهبت إليهم، أطباء في مراكز طبية متقدمة زينة؟
- أم فهدصاحب الرؤيا
جميع الفحوصات سويتها.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
طيب، وش قالوا لك؟
- أم فهدصاحب الرؤيا
يقولون: سليمة، ما فيها شيء.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
يعني قصدك أن الأطباء قالوا سليمة، ما قالوا فيك مرض نعرفه.
- أم فهدصاحب الرؤيا
نعم. والحمد لله أنا أسوي ما سمعت، والحمد لله.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
على العموم يا حياتي يا أم فهد، أبشري بالخير. إن العبد المؤمن إذا ابتلي فصبر فإن له إن شاء الله تعالى بصبره الجنة. وإن المؤمن في هذه الدنيا ما يشاك بشوكة إلا كفر الله بها عنه من الخطايا والسيئات، فأنت إن شاء الله تعالى من هذا النوع، وأنت إن شاء الله صابرة. وهذه الحياة التي أنت تعانين فيها من هذا المرض من خمس عشرة سنة، أسأل الله أن يجعلها رفعة لك في الدرجات، وأن تكون رؤياك رؤيا خير، وأن يأجرك الله سبحانه وتعالى على هذه الأمراض وهذا الهم بالأجر العظيم في جنات عند مليك مقتدر. وهذه الطلعة التي فيها قصر، إن شاء الله تعالى هي المكانة التي أنت تبنينها في الدنيا بفضل صبرك على الابتلاء وبفضل دعائك وصدق توكلك. فأسأل الله أن يفرج همك ويشفيك ويرفع قدرك.
- أم فهدصاحب الرؤيا
ألو، أي نعم. أخي، هذا كذا مرة أشوفه، دائما أحلم بولد صغير يضحك، دائما أحلم بكذا.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
هذه رؤيا ثانية يا أم فهد. إن شاء الله تعالى نقوم بتفسيرها في اتصال آخر نجريه معك.
الفائدة المنهجية
بدأ الدكتور فهد بسؤال عن المرض لا عن الرموز، وهذا أصل في طريقته: الرمز لا دلالة ثابتة له حتى تعرف حال صاحبه. فلم يسأل عن العروس ولا عن النهر ولا عن الولد، بل استوثق أولا من طول المدة ومن أن الأطباء لم يجدوا للمرض تفسيرا، فتحقق عنده أن الرؤيا وقعت على قلب مبتلى صابر. وعند الانتقال من الرمز إلى الحكم اختار الوجه الأوفق كما يوصي دائما: لم يقرأ دخول الجنة على أنه إخبار بقرب أجل وهو أول ما يفزع منه المريض، بل صرفه إلى المنزلة التي يبنيها الصبر. وامتناع القصر عليها لم يجعله نذيرا، بل قرينة على أن المنزلة ما زالت في طور البناء. ثم لما ذكرت رؤيا أخرى ردها إلى اتصال لاحق ولم يفسر ما لم يستوف سماعه.