يتكرر عليّ منذ سنتين أني أرى رجلاً يطالعني من شبّاك عمارة غير مسكونة؟
نهى فتاة تعيش مع أهلها، وغرفتها تطلّ على عمارة خلف بيتهم لم تُعمَّر ولا يسكنها أحد. يتكرر عليها منذ سنتين أو ثلاث أنها ترى رجلاً في أحد أدوار تلك العمارة يفتح الشبّاك ويطالعها أو يصوّرها، وكأنه حافظ شكلها يعرفها من بين أهل البيت. سألها الشيخ: هل ترين في اليقظة عند نوافذ العمارة ظلالاً أو أشكالاً توحي بذلك؟ فقالت: لا، ونحن أصلاً لا نفتح الشبابيك والستائر مسكّرة دائماً.
نص الرؤيا
ترى نهى دائماً عمارة خلف بيتهم، عمارة لم تُبنَ ولا يسكنها الناس. وترى في المنام أن رجلاً يكون مقابل غرفتهم عند الشبابيك، في الدور الثاني، يصوّرها، أو يراها ويضحك، أو يطالع إليها. وآخر مرة — قبل ثلاثة أيام أو نحوها — رأت أن في الدور الثالث من العمارة نفسها رجلاً فاتحاً الشبّاك قليلاً، لا يظهر منه إلا أقل من نصف وجهه، وقد طالت مدّته وهو يناظر ويطالع إليها وهي لا تدري. وكأنه حافظ شكلها يعرفها من بين أهل البيت كلهم: لو كانت مع أمها وأختها في المطبخ لعرفها من دونهن. ويتكرر عليها هذا المنام منذ سنتين أو ثلاث أكثر من مرة.
الخلاصة
خلص الشيخ إلى أنه ما دام ليس في الواقع ما يعضد المنام — لا ظلال ولا أشكال عند نوافذ العمارة، والشبابيك لا تُفتح والستائر مسدلة — فليست الرؤيا خبراً عن أحد يسترق النظر إليها. وإنما هي انعكاس لنوعية التربية التي عاشتها ولشدة خوفها على نفسها، وقال: هذا هو شعور المرأة المسلمة التي لا ترضى أن تمسّها يد أجنبية ولا أن تُسترق إليها نظرة أجنبية؛ فإن كثرة التماس تميت الإحساس، واللؤلؤة في صدفتها غالية لأنها لا تُلمس، وإذا كثر لمس الجواهر رخصت. ثم قال لها: هذا شعور حقيقي من فتاة مسلمة، يدلّ على طيبك ودينك وتربيتك، أبداً لا تخافين وأبشري. ودعا لها بالستر والسعادة وبالزوج الصالح قريباً. وقدّم على ذلك توجيهاً عملياً: أن يُنظر في العمارة نفسها، هل ساكنوها مأمونو الجانب أم لا.
تفصيل ذلك في الحوار الكامل أدناه.
الحوار كما جرى
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
طوّلنا عليها. نهى، تفضلي.
- نهىصاحب الرؤيا
السلام عليكم يا شيخ.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
وعليكم السلام ورحمة الله، حيّاك الله يا نهى.
- نهىصاحب الرؤيا
أحب أن أشكرك على البرنامج.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
الله يجزاك خير ويبارك فيك. الله يحييك، تفضلي يا نهى.
- نهىصاحب الرؤيا
يا شيخ، أنا دائماً أحلم بعمارة خلف بيتنا. هذه العمارة يا شيخ من زمان ما تنبني، يعني ما يسكن الناس فيها. وأنا أحلم يا شيخ أنه يصير رجّال مقابل غرفتنا عند الشبابيك، الشبابيك اللي عليهم، الدور الثاني. دائماً أحلم كأن فيه رجّالاً يصوّرني، أو يشوفني ويضحك، أو يطالع لي. آخر مرة يا شيخ — يمكن قبل ثلاثة أيام أو كذا — حلمت أنه في الدور الثالث من العمارة هذي نفسها كأن فيه رجلاً يطالع لي، الرجل فاتح الشبّاك بس شوي، يعني نص وجهه، أقل من نص وجهه طالع. والرجل هذا صار له فترة طويلة وهو يناظر ويطالع لي وأنا ما أدري. كأنه يشوفني وهو حافظ شكلي؛ لو يشوف أحداً يعرف إذا أنا والا لا — إذا أنا وأمي مثلاً بالمطبخ وأختي، يعرف شكلي من دونهم كلهم.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
طيب، الحين هذه أحلامك صح؟ كل اللي قلتِ أحلام، ما قارنتيها ولا دخلتِ معها واقع؟
- نهىصاحب الرؤيا
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّرسؤال غيّر مسار التفسير
طيب الآن يا نهى، أنتِ آنسة وعايشة مع الأهل. طيب، أنتِ غرفتك في بيتكم تطلّ على الشارع ولا تطلّ على غير شارع؟
- نهىصاحب الرؤيا
لا يا شيخ، على هذه العمارة نفسها.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
آه، يعني أنتِ بالحقيقة غرفتك تطلّ على العمارة.
- نهىصاحب الرؤيا
أيوه.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّرسؤال غيّر مسار التفسير
طيب، أنتِ تشوفين من وراء النافذة — نافذة العمارة — ظلالاً أو أشكالاً توحي لك أن هناك من يحاول أن يسترق النظر؟ ما تشوفين هذا الشي؟ بس هذا في أحلامك؟
- نهىصاحب الرؤيا
يا شيخ، يعني بس… دائماً تقريباً صار لي يمكن سنتين أو ثلاثة وأنا هذا الحلم يتكرر عليّ أكثر من مرة.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
طيب، الآن المطلوب شيء مهم يا نهى: المطلوب أن نشوف هذه العمارة — هل اللي ساكنين فيها ناس مأمونو الجانب، أو ناس ممكن يسترقون النظر فعلاً؟
- نهىصاحب الرؤيا
ما أدري يا شيخ، بس احنا عموماً شبابيكنا ما نفتحها وفيها ستاير، يعني احنا أصلاً… أقول: يعني احنا ما نقدر نفتح الشبابيك، ما يخلّونا.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
يقولون عشان ما أحد يشوفكم أو شي؟ ما ندري عنهم. طيب، يعني أنتِ قلتِ شيئاً عن أبوك، تقولين إنه كأن أباك صارم وكذا؟
- نهىصاحب الرؤيا
لا، مو بصارم، بس يقول يعني إن الشبابيك لو نفتحها من وراء الستارة مثلاً ما حد يشوفنا ما يقول شيئاً؛ بس أن نفتح الشبابيك ونفتح الستارة لا. الستارة دائماً مسكّرة، يعني ما نشوف أحداً ولا أحد يشوفنا.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
هذه تربية ممتازة. يعني أنا يذكّرني هذا بقول الله تعالى: {حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ}. هذا الأب المسلم الذي يخاف على بناته، يخدّرهنّ — وما معنى يخدّرهنّ؟ يعني يحجبهنّ.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
لكن أنا سؤالي: هل يعني العمارة هذه فيها شيء مريب أنتِ خائفة منه في الحقيقة؟ إذا ما في شيء في الحقيقة يخوّفك منها، ولا في الواقع ما يعضد كلامك وأحلامك هذه، فهذا إن شاء الله تعالى مجرد — يا نهى — شيء له علاقة بنوعية التربية التي عشتِها. فأنتِ من خوفك الشديد، وهذا هو شعور المرأة المسلمة. المرأة المسلمة يا نهى هي المرأة التي لا ترضى بأن تمسّها يد أجنبية، ولا ترضى أن تسترق النظر إليها نظرة أجنبية. ولذلك كثرة التماس تميت الإحساس؛ المرأة التي ترينها تعرض نفسها وتتعرّى وكل يلمسها تكون رخيصة. ولذلك اللؤلؤة الغالية في الصدفة غالية لأنها لا تُلمس، وإذا كثر لمس المجوهرات وكثر لمس اللآلئ ترخص. الخلاصة يا نهى: هذا الشيء شعور حقيقي من فتاة مسلمة، أنا أحييك وأقول لك: هذا يدل على طيبك وعلى دينك وعلى تربيتك، والله يبيّض وجه أمك وأبيك اللي جابوك وربّوك. أبداً لا تخافين وأبشري، والله إن شاء الله تعالى يستر عليك ويسعدك ويرزقك الرجل الصالح قريباً.
- نهىصاحب الرؤيا
تسلم يا شيخ. بس يا شيخ، الحين الأحلام لو أبي أشوفها يعني… ما لها فترة مثلاً محددة؟ أو بالحلم لو تقيّد فيه شيء، هل هذه الفترة يعني تكون صحيحة أو لا؟ مثلاً إذا شفت مناماً وقال: في ثلاثة أشهر أو كذا، هل هذا الحلم يكون صحيحاً؟
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
لا. الرمز — رمز الرقم — ليس بالضرورة أن يكون رمز رقم رأيناه في الرؤيا يكون بنفس المعنى. ممكن أن يقول في الرؤيا رمز رقم — مثلاً خمسة، ستة، سبعة — ما يكون المقصود فيه الزمن، وممكن يكون المقصود فيه الزمن ولكن لسنا ندري: هل هي خمسة أيام، خمس سنوات، خمسة أشهر؟ الله أعلم. لذلك الأرقام هذه لو تدخلين في هذا العلم تجدين أنه أحياناً يكون لها معانٍ بعيدة كل البعد عن الأرقام التي يُستشفّ منها علاقة الزمن. لو تدخلين في منتدى برنامج الأحلام على قناة الراية، في موقعي، يا نهى، ستجدين مقالات لها علاقة بتوضيح معلومات عن معاني الأرقام في المنام. أتمنى أنك تدخلين وتشوفين وتطّلعين.
الفائدة المنهجية
الفائدة كلها في سؤال واحد قدّمه الشيخ على التعبير: هل لهذا المنام ما يعضده في اليقظة؟ فالصورة مقلقة — رجل يفتح الشبّاك ويطالع ويصوّر ويحفظ شكلها — ولو عُبّرت على ظاهرها لأورثت فتاة في بيت أهلها رعباً مقيماً وسوء ظنّ بجيرانها بلا بيّنة. فبدأ من الواقع لا من الرمز: أهذه أحلام فقط أم قارنتِها بواقع؟ وأين غرفتك؟ وهل ترين عند نوافذ تلك العمارة ظلالاً أو أشكالاً؟ ثم انتقل من الواقع إلى مصدر الشعور نفسه، فسأل عن البيت والأب والتربية. فلما تبيّن أن الشبابيك لا تُفتح والستائر مسدلة وأن لا شيء في اليقظة يعضد المنام، صرف الرؤيا عن أن تكون خبراً عن أحد بعينه، وجعلها انعكاساً لحسّ الفتاة بحرمة نفسها. وبقي عنده جانب عملي لم يُهمله: أن يُنظر في ساكني العمارة، احتياطاً لا اتهاماً. وهذا أصل: المنام المتكرر المخيف يُعرض على الواقع أولاً، فإن لم يعضده الواقع لم يُحمَّل ما لا يحتمل.