تفسير الأحلام.نت
العهد النبويحديث صحيح

رؤيا النبي ﷺ الرياض المعشبة والحياض الرواء

رأى النبي ﷺ ملكين عند رأسه ورجليه، فضرب أحدهما مثلاً لحاله مع أمته: قومٌ انقطع بهم الزاد في مفازة، فجاءهم رجلٌ حسن الهيئة فأوردهم رياضاً خصبة وحياضاً ريّانة، ثم دعاهم إلى ما هو أعشب منها، فتبعته طائفة وأقامت طائفة راضيةً بما نالت.

الرائي
النبي محمد صلى الله عليه وسلم — رسول الله
التاريخ
7هـ / 628م
الموضع
المدينة النبوية
المعبِّر
الملك الذي رآه النبي ﷺ في منامه

نصّ الرؤيا

كان من عادته ﷺ أن يسأل أصحابه في الغداة عمّا رآه أحدهم في منامه، فيقصّ عليه من شاء، ثم يحدّثهم هو بما رأى. وفي غداةٍ من تلك الغدوات حدّثهم بهذه الرؤيا، وفيها مَثَلٌ ضربه أحد المَلَكين لحاله ﷺ مع أمته.

عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ يقول: «هل رأى أحد منكم رؤيا، قال فيقص عليه من شاء وإنه قال ذات غداة: إنه أتاني الليلة اثنان ملكان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي فقال الذي عند رجلي للذي عند رأسي: اضرب مثل هذا ومثل أمته، فقال: إن مثله ومثل أمته كمثل قوم سفر انتهوا إلى رأس مفازة ولم يكن معهم من الزاد ما يقطعون به المفازة ولا ما يرجعون به، فبينما هم كذلك إذ أتاهم رجل مرجل في حلة حبرة فقال: أرأيتم إن وردت بكم رياضاً معشبة وحياضاً رواء أتتبعوني؟ فقالوا: نعم، فانطلق بهم فأوردهم رياضاً معشبة وحياضاً رواء فأكلوا وشربوا وسمنوا، فقال لهم: ألم ألقكم على تلك الحال فقلت لكم: إن وردت بكم رياضاً معشبة وحياضاً رواء اتبعوني؟ فقالوا: بلى، فقال: إن بين أيديكم رياضاً أعشب من هذا وحياضاً أروى من هذه فأتبعوني، فقالت طائفة: صدق والله لنتبعنه، وقالت طائفة: قد رضينا بهذا نقيم عليه».

التفسير

بحسب الملك الذي رآه النبي ﷺ في منامه

المَثَل مشروحٌ بأجزائه في الرؤيا نفسها: قومٌ مسافرون بلغوا طرف صحراء مهلكة — والعرب تسمّيها «مفازة» تفاؤلاً بالفوز والنجاة من هلكتها — وقد نفد زادهم، فلا هم قادرون على قطعها إلى الأمام، ولا على الرجوع من حيث جاؤوا. وهذه صورة البشرية قبل البعثة: حيرةٌ لا مخرج منها بعقلٍ ولا بعودةٍ إلى ما كانت عليه.

ثم أتاهم رجل مُرجَّل الشعر عليه حُلّة حَبِرة، أي في هيئةٍ حسنة تنطق بالفضل والصدق، فعرض عليهم أن يتبعوه إلى رياضٍ خصبة وحياضٍ ريّانة، فتبعوه فبلغهم إياها، فأكلوا وشربوا حتى سَمِنوا. وهذا هو النبي ﷺ جاء أمته برسالةٍ جامعة كافية بما يصلح معاشهم ودنياهم.

فلما استقرّ بهم المقام ذكّرهم بعهده الأول ثم دعاهم إلى ما هو أعشبُ وأروى ممّا هم فيه، وهو نعيم الآخرة، فافترقوا فريقين: فريقٌ صدّقه وقال: «صدق والله لنتبعنه»، وهم الذين أخذوا الرسالة كاملة في أمر دنياهم وأخراهم فنالوا سعادة الدارين؛ وفريقٌ اكتفى بما بلغ وقال: «قد رضينا بهذا نقيم عليه»، وهم الذين أخذوا من الشريعة ما يُصلح معاشهم وتركوا ما به نجاتهم في الآخرة، فحظّهم من العُقبى منقطع.

ما تحقق منها

الرؤيا مَثَلٌ ضُرب لبيان حال النبي ﷺ مع أمته، لا خبرٌ عن حادثةٍ بعينها تقع في وقتٍ معلوم، فليس لها وقوعٌ يُؤرَّخ. غير أنّ القسمة التي انتهى إليها المثل — فريقٌ يمضي مع الداعي إلى منتهى ما دعا إليه، وفريقٌ يقف عند حظّه من العاجلة — هي عين ما شهدته الأمة في كل عصر.

الدلالة والأثر التاريخي

فائدتها المنهجية أنّ المَثَل في الرؤيا قد يأتي مشروحاً بذاته لا محتاجاً إلى مُعبِّر، فتُقرأ عناصره على ترتيبها: الحال قبل المُنقِذ، ثم مجيئه، ثم الاستجابة، ثم الافتراق عند الدعوة الثانية. وفيها أنّ حُسن هيئة الداعي في المنام قرينةٌ على صدقه، وأنّ الاكتفاء بأدنى الخير مع بقاء ما هو أعلى مذمومٌ لا محمود.

والتاريخ المثبت هنا تقديريّ؛ فالنصّ لم يعيّن للرؤيا وقتاً، وإنما جُعلت في العهد المدني لأنّ سياقها مجلس النبي ﷺ بعد الغداة مع أصحابه، وراويها سمرة بن جندب رضي الله عنه.

المصادر

من حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه؛ ولم يُذكر تخريجه بعينه في النصّ المنقول عنه.

عودة إلى الأرشيف التاريخي