تفسير الأحلام.نت

رؤيا نور الدين محمود زنكي وحماية الحجرة النبوية

يُروى أن نور الدين زنكي رأى النبي ﷺ ثلاث مرات في ليلة يشير إلى رجلين أشقرين ويقول: أنقذني من هذين، فسار إلى المدينة وتتبّع حتى وقف عليهما، فوُجد سرب محفور نحو الحجرة الشريفة. قصة بلا إسناد، أقدم من دوّنها الأسنوي بعد الحادثة بقرنين، ونقلها السمهودي.

نور الدين محمود بن زنكي (الملك العادل، أتابك الشام) 557هـ / 1162م — دمشق ثم المدينة النبوية

نص الرؤيا

تُروى القصة على أن نور الدين محموداً رأى في منامه النبيَّ ﷺ يُشير إلى رجلين أشقرين ويقول: «أنجِدْني، أنقِذْني من هذين». فاستيقظ فَزِعاً، فتوضّأ وصلّى ونام، فرأى المنام بعينه، ثم قام وصلّى ونام، فرآه ثالثة، فقال: «لم يبقَ نوم».

فاستدعى وزيره جمال الدين المَوصلي فقصّ عليه، فأشار عليه بالمسير إلى المدينة، فخرج إليها في نفرٍ يسير مُظهراً أنه حاجّ أو زائر، وتصدّق على أهل المدينة ووزّع فيهم مالاً حتى لم يبقَ أحد إلا أخذ، فسأل: هل بقي أحد؟ فقيل: ما بقي إلا رجلان مغربيّان لا يأخذان من أحدٍ شيئاً، وهما صالحان غنيّان كثيرا الصدقة على المحاويج. فأمر بإحضارهما، فلمّا رآهما عرف أنهما اللذان أشار إليهما النبيُّ ﷺ في المنام.

التفسير

لم تُعرض الرؤيا على معبّر ليؤوّلها؛ وإنما فُهمت على ظاهرها استغاثةً وتحذيراً، فبُني عليها عملٌ تحقيقي: السفرُ والبحثُ حتى يُعرف المقصود. وهذا الوجه — أن تُتّخذ الرؤيا باعثاً على التحرّي لا حكماً قاطعاً بذاتها — هو الذي يُعتدّ به في هذه القصة، وتُساق فيها القاعدة المقرّرة عند أهل العلم: أن الرؤيا لا تُثبت حكماً ولا تُدين أحداً حتى يقوم عليه دليلٌ في اليقظة.

ما تحقق منها

تُتمّ الرواية أن نور الدين فتّش موضعَ نزول الرجلين فوجد تحته سَرَباً محفوراً متّجهاً نحو الحجرة النبوية الشريفة، فأقرّا — على ما في الرواية — بأنهما دسيسةٌ لنبش القبر الشريف، فقُتلا. ثم أمر نور الدين بحفر خندق عميق حول الحجرة الشريفة وسَبْكِه بالرَّصاص المُذاب حتى لا يُوصل إليها من جهة.

وحفرُ الخندق وصبُّه بالرصاص أمرٌ مذكور في تواريخ المدينة، وهو أثبتُ من تفاصيل المنام نفسه.

الدلالة والأثر التاريخي

القصة من أشهر ما يُروى في مناقب نور الدين زنكي، وقد صارت مادةً خطابية واسعة الانتشار في العصر الحديث.

في ثبوتها — والتحفّظ هنا لازم: ليس لهذه القصة إسنادٌ يُذكر، وأقدمُ من وقفنا عليه ممّن دوّنها هو جمال الدين الأسنوي (ت ٧٧٢هـ) في رسالة «الانتصارات الإسلامية»، ونقلها عنه نور الدين السمهودي (ت ٩١١هـ) في «وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى» — أي بعد الحادثة المزعومة (٥٥٧هـ) بأكثر من قرنين، ثم بأكثر من ثلاثة قرون. ولم يذكرها مؤرّخو نور الدين المعاصرون له ولا القريبون من عصره ممّن أفردوا سيرته وأطالوا في مناقبه، وهو سكوتٌ مُريب في خبرٍ بهذه الجلالة. فالراجح أنها من المرويات التي لا يُجزم بثبوتها، وإن كان أصلُ اهتمام نور الدين بتحصين الحجرة الشريفة وحفرِ الخندق حولها ثابتاً في تواريخ المدينة. فليُفرَّق بين الأمرين: العملُ ثابت، وتعليلُه بالمنام هو موضعُ النزاع.

المصادر

أوردها جمال الدين عبد الرحيم الأسنوي (ت ٧٧٢هـ) في رسالته «الانتصارات الإسلامية»، ونقلها عنه نور الدين السمهودي (ت ٩١١هـ) في «وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى» في الكلام على الحجرة الشريفة. ولا إسناد للقصة، ولم يذكرها المؤرخون المعاصرون لنور الدين. وأصل حفر الخندق حول الحجرة وسبكه بالرصاص مذكور في تواريخ المدينة.