تفسير الأحلام.نت
العهد النبويحديث صحيح

رؤيا النبي ﷺ لبلال بن رباح في الجنة

قال النبي ﷺ لبلال عند صلاة الفجر إنه سمع صوت نعليه بين يديه في الجنة، وسأله عن أرجى عمل عمله، فأخبره أنه لا يتطهر في ساعة من ليل أو نهار إلا صلى بذلك الطهور ما قُدّر له. وفي رواية للبخاري أنه دخل الجنة فسمع خَشفة فقيل: هذا بلال.

الرائي
النبي محمد صلى الله عليه وسلم — رسول الله
التاريخ
8هـ / 629م
الموضع
المدينة النبوية
المعبِّر
النبي صلى الله عليه وسلم

نصّ الرؤيا

بلال بن رباح الحبشي رضي الله عنه مؤذّن رسول الله ﷺ وأوّل من أذّن في الإسلام. كان مملوكاً لأميّة بن خلف بمكة، وهو أحد السبعة الذين جهروا بإسلامهم أولاً: رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمّار بن ياسر وأمه سميّة وصهيب وبلال والمقداد. وكان سيّده يُخرجه إلى رمضاء الصحراء في شدة الظهيرة فيضع الصخرة العظيمة على بطنه، ويُسلّمه إلى الصبيان يطوفون به في شِعاب مكة، وهو ثابتٌ يردّد: أحدٌ أحد، قد هانت عليه نفسه في الله. ثم اشتراه أبو بكر رضي الله عنه فأعتقه، وآخى النبي ﷺ بينه وبين أبي عبيدة بن الجراح، وشهد بدراً والمشاهد كلها، وكان يؤذّن لرسول الله ﷺ في سفره وحضره.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال لبلال عند صلاة الفجر: «يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة. قال: ما عملت عملاً أرجى عندي أني لم أتطهر طهوراً في ساعة ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي».

وفي رواية للبخاري: «رأيتني دخلت الجنة فإذا أنا بالرميضاء امرأة أبي طلحة وسمعت خشفة فقلت من هذا فقيل: هذا بلال».

التفسير

بحسب النبي صلى الله عليه وسلم

قوله: «عند صلاة الفجر» قرينةٌ على أنّ ما سمعه إنما كان في منام، لأنّ عادته ﷺ أن يقصّ الرؤى ويستقصّها من أصحابه بعد صلاة الفجر.

و«أرجى عمل» أي أفضل عمل، وأُضيف إلى الرجاء لأنّ الرجاء هو الباعث عليه، والمراد أرجى أعمال التطوّع، وإلا فالفريضة أفضل قطعاً. و«دفّ نعليك» صوتهما، والدفّ الحركة الخفيفة والمشي اللين، وجاء في رواية «خشخشة» وهي الحركة أيضاً. وقوله: «طهوراً» جاء في رواية «طهوراً تاماً»، ليخرج بذلك الطهور اللغوي كغسل اليدين أو الوجه وحدهما. وقوله: «ما كتب لي» أي ما قُدّر لي، وهو أعمّ من الفريضة والنافلة.

وأمّا قوله: «بين يدي»، وفي حديث بريدة: «بما سبقتني إلى الجنة»، فليس السبق فيه بمعنى التقدّم في المنزلة، وإنما هو مشي الخادم أمام سيده تهيئةً للأمر وتوطئةً له وإكراماً، وكان بلال في الدنيا يمشي بين يديه ﷺ على هذا الوجه.

ولم يُعبِّر النبي ﷺ الرؤيا برمزٍ، بل جعلها مقدّمةً لسؤالٍ عن سببها، فأفصح بلال عن عمله: أنه لا يتطهّر طهوراً في ساعةٍ من ليل أو نهار إلا صلّى بذلك الطهور ما قُدّر له أن يصلّي. قال ابن الجوزي: فيه الحثّ على الصلاة عقب الوضوء لئلا يبقى الوضوء خالياً من مقصوده. وذكر المهلب أنّ الله يُعظِم المجازاة على العمل الذي يُسرّه العبد، وأنّ فيه مشروعية سؤال الصالحين عمّا هداهم الله إليه من الأعمال ليقتدي بهم غيرهم، ومنه سؤال الشيخ تلميذَه عن عمله ليحضّه عليه إن كان حسناً أو ينهاه عنه.

وليس في الحديث حجّةٌ على الصلاة في أوقات النهي، لاحتمال أن يكون حديث النهي متأخراً عنه، أو أن يكون بلال يؤخّر صلاته حتى يخرج وقت النهي ثم يصلّي. وفيه أيضاً دليلٌ على أنّ الجنة مخلوقةٌ الآن.

ما تحقق منها

أثرها الأول أنّ النبي ﷺ سأل بلالاً فأفصح عن عمله، فصار عملُه سُنّةً معروفة يُقتدى بها في المحافظة على الصلاة عقب الطهور. وقد بقي بلال رضي الله عنه على حاله، فلمّا توفي رسول الله ﷺ أراد الخروج إلى الشام فاستبقاه أبو بكر واستحلفه فمكث، ثم استأذن عمر رضي الله عنه في الجهاد فأذن له فخرج. ولمّا قدم عمر الشام أذّن له بلال يومئذٍ فلم يُرَ يومٌ أكثر باكياً منه. ثم رأى بلالٌ النبي ﷺ في المنام يقول له: «ما هذه الجفوة يا بلال؟ ما آن لك أن تزورنا؟» فانتبه فركب إلى المدينة، فأتى مسجد رسول الله ﷺ يبكي ويسلّم عليه، فأقبل الحسن والحسين فجعل يقبّلهما ويضمّهما، وسألاه أن يؤذّن لهما، فعلا سطح المسجد فأذّن، فارتجّت المدينة، وخرج النساء من خدورهنّ، فما رُئي يومٌ أكثر باكياً وباكيةً منه. وتوفي رضي الله عنه بالشام في خلافة عمر.

الدلالة والأثر التاريخي

فيها أنّ ما يراه النبي ﷺ في منامه من أحوال أصحابه في الآخرة بشارةٌ ثابتة لهم، وأنّ الرؤيا قد لا تُعبَّر برمزٍ بل تُتلقّى على ظاهرها ويُبحث عن سببها في العمل. وفيها أصلٌ تربويّ: السؤال عن العمل الذي بُلّغ به صاحبه هذه المنزلة، ليُعرف الطريق فيُسلك.

وفيها أنّ العمل القليل المداوَم عليه في السرّ قد يبلغ بصاحبه ما لا تبلغه الأعمال الكبيرة المنقطعة. والتاريخ تقديريّ؛ إذ لم يعيّن النصّ وقت الرؤيا، وإنما جُعلت في أواخر العهد المدني لأنّ راويها أبو هريرة رضي الله عنه.

المصادر

من حديث أبي هريرة رضي الله عنه؛ ولم يُذكر تخريج أصله بعينه في النصّ المنقول عنه، وذُكر أنّ الرواية الثانية عند البخاري، وفيه نقلٌ عن ابن الجوزي وعن المهلب.

عودة إلى الأرشيف التاريخي