تفسير الأحلام.نت
العهد النبويحديث صحيح

رؤياه ﷺ لأصناف من أمته

رؤيا طويلة أُخرج فيها النبي ﷺ إلى الأرض المقدسة ومعه جبريل وميكائيل، فأُريَ أصنافاً يُعذَّبون: من يُشقّ شدقه، ومن يُشدَخ رأسه، وأهل الثقب، وصاحب نهر الدم؛ ثم روضةً فيها إبراهيم عليه السلام، ودارَي عامّة المؤمنين والشهداء، ومنزلَه في الجنة. وفسّر الملَكان كلَّ مشهدٍ بذنبه أو فضله.

الرائي
النبي محمد صلى الله عليه وسلم — رسول الله
التاريخ
6هـ / 628م
الموضع
المدينة النبوية
المعبِّر
جبريل وميكائيل عليهما السلام

نصّ الرؤيا

عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: «كان النبي ﷺ إذا صلى صلاةً أقبل علينا بوجهه فقال: من رأى منكم الليلة رؤيا قال فإن رأي أحد قصها فيقول ما شاء الله فسألنا يوماً فقال: هل رأى منكم رؤيا قلنا لا قال: لكني رأيت الليلة رجلين أتياني فأخذا بيدي فأخرجاني إلى الأرض المقدسة فإذا رجل جالس ورجل قائم بيده كلوب من حديد قال بعض أصحابنا عن موسى إنه يدخل ذلك الكلوب في شدقه حتى يبلغ قفاه ثم يفعل بشدقه الآخر مثل ذلك ويلتئم شدقه هذا فيعود فيصنع مثله قلت ما هذا قالا انطلق فانطلقنا حتى أتينا على رجل مضطجع على قفاه ورجل قائم على رأسه بفهر أو صخرة فيشدخ به رأسه فإذا ضربه تدهده الحجر فانطلق إليه ليأخذه فلا يرجع إلى هذا حتى يلتئم رأسه وعاد رأسه كما هو فعاد إليه فضربه قلت من هذا؟ قالا انطلق فانطلقنا إلى ثقب مثل التنور أعلاه ضيق وأصفله واسع يتوقد تحته ناراً فإذا اقترب ارتفعوا حتى كاد أن يخرجوا فإذا خمدت رجعوا فيها وفيها رجال ونساء عراة فقلت من هذا؟ قالا انطلق فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم فيه رجل قائم على وسط النهر قال يزيد ووهب بن جرير عن جرير بن حازم وعلى شط النهر رجل بين يديه حجارة فأقبل الرجل الذي في النهر فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فرده حيث كان فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان فقلت ما هذا! قالا انطلق فانطلقنا حتى انتهينا إلى روضة خضراء فيها شجرة عظيمة وفي أصلها شيخ وصبيان وإذا رجل قريب من الشجرة بين يديه نار يوقدها فصعدا بي في الشجرة وأدخلاني داراً لم أر قط أحسن منها فيها رجال شيوخ وشباب ونساء وصبيان ثم أخرجاني منها فصعدا بي الشجرة فأدخلاني داراً هي أحسن وأفضل فيها شيوخ وشباب قلت طوفتماني الليلة فأخبراني عما رأيت قالا: نعم أما الذي رأيته يشق شدقه فكذاب يحدث بالكذبة فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق فيصنع به إلى يوم القيامة والذي رأيته يشدخ رأسه فرجل علمه الله القرآن فنام عنه بالليل ولم يعمل فيه بالنهار يفعل به إلى يوم القيامة والذي رأيته في الثقب فهم الزناة والذي رأيته في النهر آكلوا الربا والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم عليه السلام والصبيان حوله فأولاد الناس والذي يوقد النار مالك خازن النار والدار الأولى التي دخلت دار عامة المؤمنين وأما هذه الدار فدار الشهداء وأنا جبريل وهذا ميكائيل فارفع رأسك فرفعت رأسي فإذا فوقي مثل السحاب قالا ذاك منزلك قلت دعاني أدخل منزلي قالا إنه بقي لك عمر لم تستكمله فلو استكملت أتيت منزلك».

التفسير

بحسب جبريل وميكائيل عليهما السلام

الرجلان اللذان أخذا بيده هما جبريل وميكائيل عليهما السلام كما صرّح الحديث في آخره وجاء في بعض الروايات، والأرض المقدسة أرض بيت المقدس. وقد تولّيا تأويل المشاهد كلّها في ختام الحديث، وبيانها:

الأول: الكلّوب حديدةٌ يُنشَل بها اللحم من القِدر، والشدق جانب الفم؛ يُدخلها في شدقه حتى تبلغ قفاه ثم يفعل بالآخر مثل ذلك، فيلتئم الأول فيعود إليه من جديد. وهو الكذّاب الذي يتحرّى الكذب ويحدّث به فيُحمل عنه ويتناقله الناس حتى يبلغ كلّ مكان.

الثاني: الفِهر حجرٌ ملء الكفّ، وقيل الصخرة أكبر منه، يُكسَر به رأسه ثم يتدحرج الحجر فيمضي الرجل ليأخذه، فيلتئم الرأس ويعود كما كان فيضربه ثانيةً. وهو رجلٌ علّمه الله القرآن فنام عنه بالليل فلم يقرأه ولم يقم به، ولم يعمل به بالنهار، بل ترك حدوده وأوامره ونواهيه؛ فلمّا ضيّع أشرف ما أُوتي عوقب في أشرف أعضائه وهو الرأس. وفي روايةٍ أنه الذي يأخذ القرآن فيرفضه، ورفضُه تركُه وإهمالُه وترك العمل به.

الثالث: التنّور ما يُخبَز فيه، وهذا ثقبٌ ضيّق الأعلى واسع الأسفل تُوقد تحته النار، فيه رجالٌ ونساء عراة، إذا ارتفع اللهب واشتدّ ارتفعوا حتى يكادوا يخرجون، فإذا خمدت النار عادوا إلى موضعهم. وهم الزناة من الرجال والنساء؛ وكانوا عراةً لأنّ شأنهم في الدنيا أن يستتروا بفاحشتهم عن أعين الناس فعُوقبوا بالتهتّك والعري، وكانت النار من أسفلهم لأنّ جنايتهم جاءت من أعضائهم السفلى.

الرابع: رجلٌ قائمٌ في نهرٍ من دم، وعلى الشاطئ آخر بين يديه حجارة، كلّما أراد الخروج رماه بحجرٍ في فمه فردّه إلى مكانه. وهو آكل الربا. قال ابن هبيرة: إنما عوقب آكل الربا بسباحته في النهر الأحمر من الدم لأنّ أصل الربا يجري في الذهب وهو أحمر؛ وأما إلقامه الحجر فإشارةٌ إلى أنّ ما جمعه لا ينفعه؛ فصاحب الربا يحسب مالَه في نماءٍ والله يمحقه.

الخامس: الروضة الخضراء هي الجنة، والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم عليه السلام، وكونُه في أصلها إشارةٌ إلى أنه أصل الملّة وأبوها، ومن جاء بعده من المسلمين فعلى ملّته؛ والصبيان حوله أولاد الناس. والذي يوقد النار مالكٌ خازن النار الموكَّل بها. والدار الأولى دار عامّة المؤمنين، والدار الأخرى وهي أحسن وأفضل دار الشهداء.

ثم أُمر ﷺ أن يرفع رأسه فرأى مثل السحاب، وهو كنايةٌ عن العلوّ، فأخبراه أنه منزله في الجنة، فطلب دخوله، فأعلماه أنه بقي له عمرٌ لم يستكمله، فإذا بلغ أجلَه ولحق بربه دخل منزله ﷺ.

الدلالة والأثر التاريخي

من فوائد هذه الرؤيا: عظم شأن الرؤيا لسؤال النبي ﷺ أصحابه عنها واهتمامه بتعبيرها. وفيها التحذير من الكذب وأنه سببٌ للعذاب، ومن رفض القرآن وإهمال العمل به، ومن فاحشة الزنا وسوء عاقبتها، ومن الربا وأنه ممحوق البركة وعقوبته عظيمة. وفيها بيان فضل إبراهيم عليه السلام ومكانته وكفالتِه لمن مات من الأطفال على الفطرة، وأنّ الجنة منازل ودرجات بحسب الأعمال، وفضل الشهداء وعلوّ منزلتهم، والتخويف من النار وأنّ لها خازناً اسمه مالك. وفيها علوّ منزلته ﷺ في الجنة، وأنّ دخولها إنما يكون بعد الموت لا في الدنيا. والسنة المثبتة تقديرية، إذ لم يذكر المصدر زمن الرؤيا.

وتُنقل مشاهد العذاب في هذه الرؤيا كما وردت، مقرونةً بتأويلها الذي بيّنه الحديث نفسه، فليس فيها إبهامٌ ولا تهويل: كلُّ عقوبةٍ منها معلّقةٌ بذنبٍ مسمّى.

المصادر

من حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه؛ كتاب «50 رؤيا رآها النبي ﷺ وفسّرها» — الرؤيا السادسة. ولم يُذكر التخريج في نصّ المصدر المتاح.

عودة إلى الأرشيف التاريخي