توفّيت والدتي، فرأيت زهوراً جلبتها من السوق وجمراً عليه خبز، فما تأويلها؟
اتصل أبو محمد بعد شهرٍ من وفاة والدته، وذكر رؤيا طلب فيها منه الأهل أن يجلب شيئاً من السوق، فذهب وحصّله، فإذا هو مزهرية مملوءة زهوراً قيل إنها من الجنة، ثم رأى جمراً وعليه خبز فمدّ يده ليأخذه. فلم يصرف الشيخ فهد الرؤيا إلى الميّتة، بل أنزل الخضرة على تعاملاته المالية، وحذّره من صفقة فيها فائدة وشبهة معاً.
نص الرؤيا
قبل شهر توفّيت الوالدة، فرأيتُ رؤيا في المنام: طلب مني الأهل أن أجيبها من السوق، فرحتُ للسوق وحصّلتُها، فجئتُ أمدّ يدي عليها، فإذا هي مزهرية كلها فيها زهور، وطبعاً مدّيتُ يدي عليها. هذه الزهور من الجنة.
ثم كان فيها جمر، وواحدة خبزة… ومددتُ يدي إلى الخبز.
الخلاصة
بدأ المفسّر بالبشارة: «رأيتَ خيراً وكُفيتَ شراً»، وقال إنها بشارة له بأنه ممن يعمل لمصلحة دينه ولا ينسى دنياه، أو لمصلحة دنياه ولا ينسى دينه. ثم قرأ الخضرة التي جلبها من السوق على أنها تعاملاته في حياته اليومية، مستنداً إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنّ الدنيا حلوة خَضِرة»، ودعا الله أن يجعلها تعاملات شرعية ليس فيها مأخذ شرعي. وأما الجمر الذي وجده بجانب الخضرة وعليه خبز فحمله على دَخَنٍ أو اختلاطٍ لأشياء فيها شبهة في التعامل، وقال إن مدّ يده إلى الخبز دليل على أنها مغرية، وأنه ربما كان هناك أمر يتعامل فيه ويأتيه من ورائه فائدة مالية ولكن فيه شبهة، لأن رؤية النار في هذا الوقت مذمومة. وأوصاه أن يبحث ويفتّش عن تعاملاته وصفقاته وأموره الجارية في هذه الأيام، ودعا له أن يجعل الله كسبه حلالاً.
تفصيل ذلك في الحوار الكامل أدناه.
الحوار كما جرى
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
أبا محمد من السعودية، تفضّل.
- أبو محمدصاحب الرؤيا
السلام عليكم.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
عليكم السلام ورحمة الله… هلا يا أبا محمد.
- أبو محمدصاحب الرؤيا
الله يسلّمك… الله يعافيك. أقول: قبل شهر توفّيت الوالدة.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
رحمة الله عليها.
- أبو محمدصاحب الرؤيا
جزاك الله خير. فرأيتُ رؤيا في المنام: طلب مني الأهل أن أجيبها من السوق، فرحتُ للسوق وحصّلتُها، فجئتُ أمدّ يدي عليها، عبارة عن مزهرية كلها فيها زهور، وطبعاً مدّيتُ يدي عليها. هذه الزهور من الجنة… وفيها جمر، وواحدة خبزة… ومددتُ يدي إلى الخبز.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
هذا هو، بس؟… رأيتَ إن شاء الله خيراً وكُفيتَ شراً.
- أبو محمدصاحب الرؤيا
جزاك الله خير.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
أسأل الله أن يغفر لوالدتك، وأن يتجاوز عنّا وعنها وعن والدينا والمسلمين.
- أبو محمدصاحب الرؤيا
الله يجزاكم خير.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
هي بشارة لك أنك ممن — إن شاء الله تعالى — يقوم بالعمل لمصلحة دينه ولا ينسى دنياه، أو لمصلحة دنياه ولا ينسى دينه. ولكن أذكّرك بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم، يقول: «إنّ الدنيا حلوة خَضِرة». فهذه الخضرة التي أنت تشتريها من السوق هي تعاملاتك، تعاملاتك التي تقوم بها في حياتك اليومية يا أبا محمد؛ فأسأل الله أن يجعلها تعاملات شرعية وليس فيها مأخذ شرعي. ولكن آخر رؤياك تقول إنك وجدتَ بجانب الخضرة جمراً وعليه خبز، فهذا قد يكون دَخَناً أو اختلاطاً لأشياء فيها شبهة في التعامل؛ وأنت إن شاء الله تعالى ستتركها، ولكنها مغرية — ولذلك أنت تقول: كنت أتمنى أن آخذ الخبز، ومددتَ يدك لتأخذ الخبز. لكن احذر، فأظنّ أن هناك شيئاً قد تتعامل فيه ويأتيك من ورائه فائدة مالية ولكن فيه شبهة؛ لأن رؤية النار في هذا الوقت مذمومة، وقد يكون خلفها شبهة تُدخلها جوفك وهي مال فيه شبهة محرّمة. فاحذر حبيبي، وابحث وفتّش عن تعاملاتك وعن صفقاتك وعن أمورك التي تجري في هذه الأيام. وأسأل الله أن يجعل كسبك حلالاً.
- أبو محمدصاحب الرؤيا
متقاعد… معلّم متقاعد.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
ليس شرطاً أن يكون الإنسان عنده تعامل أو شراء أو بيع؛ قد يكون هناك أمور تشتريها محرّمة، أو قد يكون هناك أمور تشتريها بطريقة محرّمة، أو يكون هناك أمور تتعامل فيها عن طريق محرّم. فاحذر وانتبه، يعني إذا صدقت رؤياك فهي أمور يكون فيها شبهة وأنت تُقدم عليها.
- أبو محمدصاحب الرؤيا
جزاك الله خير.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
وإياك يا أبا محمد، وشكراً لك.
الفائدة المنهجية
الرائي مثقلٌ بموت أمه قبل شهر، والرؤيا فيها زهور وذكرٌ للجنة — وهذا مدخلٌ سهل إلى تعزيةٍ تُصرف فيها الرؤيا كلها إلى الميّتة. ولم يسلكه المفسّر. بل ثبّت نظره على ما تكرّر في المشهد لا على ما لمع فيه: شيء يُطلَب فيُجلَب من السوق. والسوق موضع البيع والشراء، فأنزل الخضرة على التعاملات، لا على الفرح ولا على الزينة.
وطريقه من الرمز إلى الحكم كان بالنصّ: «إنّ الدنيا حلوة خَضِرة» — فبهذا الحديث صار الأخضر دنيا وكسباً، لا زهراً يُشمّ. ثم قلب الميزان عند آخر الرؤيا: جمرٌ وعليه خبز، والرائي يمدّ يده إليه؛ فالخبز رزق، والجمر تحته، ومدّ اليد رغبةٌ لا اضطرار — فقرأها إغراءً بمكسبٍ فيه شبهة. ولاحظ أنه علّل ذمّ النار بوقتها: «لأن رؤية النار في هذا الوقت مذمومة»، وهو أصلٌ يجري عليه في غير موضع: أن الرمز الواحد يختلف حكمه باختلاف زمانه وحال رائيه.
ثم كانت الفائدة الأخيرة في اعتراض الرائي: «متقاعد… معلّم متقاعد» — أي لا تجارة لي حتى تكون فيّ شبهة. فلم يسحب المفسّر حكمه ولم يجادل في نفيه، بل وسّع مورد الحكم: ليس شرط الشبهة أن يكون الإنسان بائعاً؛ فقد تدخل من جهة ما يُشترى نفسه، أو من جهة الطريقة التي يُشترى بها. وهذا نقلٌ للحكم من الحرفة إلى الفعل، وبه بقي التحذير قائماً على من ظنّ أنه في مأمن منه.