رأيتُ ابني المتوفّى في حادثٍ يُقام عليه القصاص ثم رأيته كالطفل، فما تفسيرها؟
أمّ أحمد من السعودية تُوفّي ابنها قبل ثلاثة أشهر في حادث سيارات. رأت بعد وفاته بيومين أنه جاءها ومعه تقريره الطبي، ثم رأت بعد ثلاثة أيام أنّ أختها أخبرتها أنه سيُقام عليه القصاص العصر — وكانت الصلاة عليه عصراً — ثم نزلت إلى صالةٍ فيها نساءٌ وجوههنّ مُسفرة، ثم إلى صالةٍ فيها رجالٌ كالمشايخ، ثم أُذن لها فدخلت فوجدته نائماً على جنبه الأيمن وعليه لمعة وكأنه طفلٌ صغير. فبشّرها الدكتور فهد بأنّ الله كفّر عنه ذنوبه وأنه في حالٍ طيبة.
نص الرؤيا
رأت ابنها المتوفّى بعد وفاته بيومين جاءها في المنام ومعه الورقة — تقريره الطبي — فأخذها منها رجلٌ ونفحها في وجهها.
ثم رأت بعدها بثلاثة أيام أنّ أختها جاءتها فقالت لها: سيُقام عليه القصاص. فسألتها: يعني ماذا؟ فقالت: يُقام عليه القصاص العصر — وكانت صلاة الجنازة عليه في الواقع بعد العصر. فكانت تصلّي العصر وتسأل أختها: ذاك اليوم أقاموا عليه القصاص وأنتِ ما حضرتِ؟
ثم نزلت إلى صالةٍ رأت فيها نساءً كثيرات، أجسامٌ ضخمة ووجوهٌ مُسفرةٌ حلوة، ثم نزلت إلى صالةٍ ثانية فيها رجالٌ جميعهم مثل المشايخ. وجاءت إلى بابٍ واقفٌ عليه كالحارس، فقالت: أنا أمّ الولد، اسمحوا لي. فقال الرجال: دعوها تدخل وتشوفه. فدخلت فوجدته في الثلاجة نائماً على جنبه الأيمن ويده اليسرى على جنبه الأيسر، وكان فيه لمعة، فمسحت وجهه. وكان كالطفل الصغير، وأخرجوه في كيسٍ مثل كيس النايلون.
الخلاصة
حمل الدكتور فهد الرؤيا على البشارة وفصّل رموزها. أمّا القصاص فقال فيه: «نقول هذا ظنّاً، والظنّ قد يخطئ ويصيب، أنه يُحاسَب، ولكن أنا إن شاء الله تعالى أطمّنك أنه في حالٍ طيبة». وأمّا الوجوه المُسفرة فقرنها بقوله تعالى: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ». وأمّا اللمعة ونومُه على جنبه الأيمن وكونُه كالطفل فقال: «هذا بشارة له إن شاء الله تعالى بأنّ الله كفّر عنه ذنوبه وصار مثل الأطفال ما عليه ذنوب». ثم زاده تقويةً بحكمٍ فقهيّ: «وقد ورد أنّ من مات بسببٍ شنيع كالهدم والغرق والحرق واللدغ أنّ هذا له حكم الشهداء، وكثيرٌ من علمائنا ألحقوا من مات بحوادث السيارات الشنيعة بأنه شهيدٌ حُكماً». وختم بالوصية: «فأبشري بالخير يا خيتي، لكن لا تصيحين عليه، لا تكثرين البكا عليه… فأكثري من الاستغفار ومن الصدقة».
تفصيل ذلك في الحوار الكامل أدناه.
الحوار كما جرى
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
الأخت أم أحمد من السعودية، تفضّلي. أم أحمد، أهلاً يا أم أحمد.
- أم أحمدصاحب الرؤيا
يا أهلاً. أنا عندي… ولدي متوفّى من ثلاثة شهور.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
مرحباً أم أحمد. أي نعم.
- أم أحمدصاحب الرؤيا
بعد وفاته بيومين في الحقيقة…
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
الله يخلف عليك، الله يخلف عليك إن شاء الله تعالى ويصبّرك. وش سبب وفاته؟
- أم أحمدصاحب الرؤيا
حادث… سيارات.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
حادث؟ الله يرحمه… الله إن شاء الله يخلف عليك يا أختي أم أحمد.
- أم أحمدصاحب الرؤيا
فجاني في الحلم ومعه الورقة، هذا التقرير الطبي حقّه، فكان الرجال أخذها منّي ونفحها في وجهي كذا.
- أم أحمدصاحب الرؤيا
فيعني هذا الحلم. الحلم الثاني: حلمتُ بعد ثلاثة أيام كذا. حلمتُ بهذه الأيام: جاتني أختي قالت لي: سيُقام عليه القصاص. فقلت: يعني شنو؟ قالت: يُقام عليه القصاص العصر — وكانت صلاة الميت عليه كانت أصلاً العصر. فكنتُ أنا أصلّي العصر وأسأل أختي: ذاك اليوم قاموا عليه القصاص وأنتِ ما حضرتِ؟
- أم أحمدصاحب الرؤيا
فنزلتُ لصالةٍ شفتُ فيها حريم كثير، أجسامٌ ضخمة ووجوهٌ مُسفرة كذا وحلوة. فنزلتُ إلى الصالة الثانية فيها رجالٌ جميعهم مثل المشايخ. فجئتُ على الباب واقفاً عليه زيّ الحارس، قلت: أنا أمّ الولد، اسمحوا لي. هذا الرجال قالوا له: دعها تدخل وتشوفه. دخلتُ فوجدته في الثلاجة نائماً على جنبه الأيمن، وكانت يده اليسرى على جنبه الأيسر، وكان فيه لمعة، أنا مسحتُ وجهه. وكان كالطفل الصغير، وأخرجوه في كيسٍ كذا زيّ كيس النايلون. فكتب الله لي وحججتُ عنه.
- أم أحمدصاحب الرؤيا
بعد ما جيتُ من الحج حلمتُ فيه…
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
بس بس يا أم أحمد، لحظة. طبعاً ما تقولي لي الحلم الثالث.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّرسؤال غيّر مسار التفسير
أول شيء: أنا أبشّرك إن شاء الله تعالى، بشارة إن شاء الله تعالى، عسى الله أنها تتحقّق. قلتِ: إني رأيتُه أنه بيُقام عليه القصاص — فهذا معناها، والله أعلم، نقول هذا ظنّاً والظنّ قد يخطئ ويصيب: أنه يُحاسَب. ولكن أنا إن شاء الله تعالى أطمّنك أنه في حالٍ طيبة.
- أم أحمدصاحب الرؤيا
إي.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
خلاصةُ اللي تقولين: إنه كان عنده ناسٌ وجوههم مُسفرة وحلوة، وهذا… قول الله تعالى: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ». وتقولين أنتِ إنك لقيتِ فيه لمعة، ونائمٌ على جنبه الأيمن، وزيّ الطفل — وهذا بشارةٌ له إن شاء الله تعالى بأنّ الله كفّر عنه ذنوبه وصار مثل الأطفال ما عليه ذنوب.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
وقد ورد يا أم أحمد أنّ من مات بسببٍ شنيع كالهدم والغرق والحرق واللدغ أنّ هذا له حكم الشهداء، وكثيرٌ من علمائنا ألحقوا من مات بحوادث السيارات الشنيعة بأنه شهيدٌ حُكماً. فأبشري بالخير يا خيتي، لكن لا تصيحين عليه، لا تكثرين البكا عليه، فقد ورد في الحديث أيضاً الصحيح: «إنّ الميت ليُعذَّب ببكاء أهله عليه». فأكثري من الاستغفار ومن الصدقة، وإن شاء الله تعالى هو في مكانٍ طيّب وهو عند ربٍّ رحيمٍ رحمن، وإن شاء الله تعالى إنّ الله يبي يخلف عليك ويطمّن قلبك ويهوّن مصيبتك.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
وقولي كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم لمّا مات ولده إبراهيم بين يديه — كان عمره أربع سنين، السنّ التي كل واحدٍ يفرح بعياله، الولد يغاغي ويضحك — فمات بين يدي الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال: «إنّ العينَ لتدمع، وإنّ القلبَ ليحزن، ولا نقول إلا ما يُرضي ربّنا، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون». ودمعت عيناه عليه الصلاة والسلام، فقال له الصحابة: تبكي يا رسول الله؟ قال: «إنّ هذه رحمة»، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء. أسأل الله يا أم أحمد أنه يخلف عليك خيراً منه، وأنه يربط على قلبك، وأنه إن شاء الله تعالى يُعلي درجة وليدك هذا، وأنه يصبّرك ويرزقك إن شاء الله تعالى الهدوء والطمأنينة والسكينة.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
آه، في أي سؤال يا أم أحمد؟ أنا سمعتك قلتِ إنك قمتِ بحجّة وبعدين شفتِ رؤيا ثانية. أنا بس إنّي ما عندي وقت يا أم أحمد، والله أسمع منك، لكن أنا أطمّنك: أنتِ ما شاء الله تعالى على خير، وما قمتِ فيه جيّد، بارك الله فيك. وأبشّرك أنّ الولد بإذن الله تعالى مضى إلى كريمٍ رحمن هو أرحم به منك، كما ورد في الحديث: «إنّ الله أرحم بعبده من الأمّ بولدها». شكراً يا أم أحمد.
الفائدة المنهجية
لم يقف الدكتور فهد عند لفظ «القصاص» المفزع فيحمل الأمّ على أسوأ الظنّ، بل جعله محاسبةً ثم قدّم عليه ما في بقيّة الرؤيا من قرائن البشارة: الوجوه المُسفرة، واللمعة، والنوم على الجنب الأيمن، وكونه كالطفل. فرجّح بمجموع القرائن — لا برمزٍ واحد — أنّ حاله طيبة، وصرّح بأنّ ما قاله في القصاص ظنٌّ لا قطع: «نقول هذا ظنّاً، والظنّ قد يخطئ ويصيب». ثم استشهد على كل رمزٍ بنصّه: الوجوه المُسفرة بآية «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ»، وصورةُ الطفل بمغفرة الذنوب. ثم خرج من الرؤيا إلى الفقه فذكر حكم من مات بسببٍ شنيع، وهو الذي يمسّ حال ابنها بعينه إذ مات في حادث سيارة. وختم بما يُصلح حال السائلة نفسها لا حال المرئيّ فقط: النهي عن كثرة البكاء، والأمر بالاستغفار والصدقة، والتأسّي بمصاب النبيّ صلى الله عليه وسلم في ولده إبراهيم.