لماذا أحلم دائماً أني مسافرة بقطار أو سيارة، وأني خائفة من حرب أو من شخص يلاحقني؟
عرضت أم علي أربعة منامات متكرّرة: أنها في سفر دائم بقطار أو سيارة، وأنها في خوف من شيء كالحرب، وأنها عمياء أو في عينيها غشاوة، وأنها في البيت الأول الذي كانوا يسكنونه. فاعتذر المفسّر عن استيفائها كلّها في دقائق وطلب منها اختيار موضوعين، فاختارت السفر والخوف. فحمل السفر الدائم على البقاء في مكان واحد بلا تطوّر مع وجود الطموح، وحمل الخوف على وجهين: حرب الشيطان الدائمة، وخوفٍ قائم في نفس الرائي من أمرٍ في حياته.
نص الرؤيا
عندي حلمٌ دائماً يتكرّر: أحلم أني في حالة سفر بقطار أو سيارة. والشيء الثاني: دائماً أحلم أني في حالة خوف من شيء ما، والحرب مثلاً — أو أن شخصاً يلاحقني دائماً يريد أن يؤذيني.
وقبل فترة كنت دائماً أحلم — وتكرّر عليّ هذا الحلم كثيراً — أني عمياء، أو أن في عينيّ غشاوة لا أستطيع معها أن أرى. ودائماً أيضاً أحلم بالبيت الأول الذي كنّا نسكن فيه.
الخلاصة
حصر المفسّر جوابه في الموضوعين اللذين اختارتهما. فحمل تكرار السفر بالقطار أو السيارة على حال من عنده الأماني والرغبات والطموح ثم يبقى — بلفظه — «محلّك راوح، لا يتطوّر ولا يطوّر نفسه، فهذا تجده دائماً في سفر»، وقال إن بعض الناس «يخشى من تقدّم العمر دون أن يكون قد أنجز شيئاً يستحقّ الإنجاز»، ومثّل له بمن ثبت على مرتبةٍ واحدة في تجارته فيرى نفسه دائماً مسافراً غير قادر على تجاوز هذا السفر.
وحمل تكرار الخوف من الحرب أو من ملاحِقٍ يريد الأذى على وجهين: وجهٍ شرعيّ هو «حربنا مع الشيطان والوسوسة والوسواس الخنّاس... حربٌ دائمة لا تنقطع حتى يموت الإنسان»، ووجهٍ آخر هو أن يكون عند الرائي خوفٌ قائم من أمرٍ ما في حياته — كالظلام أو العلوّ أو الفشل. ثم ختم بالعلاج: «نواجهها بأن نعرف حجم هذه المشكلة، وأن نعرف حقيقتها وكُنهها، ثم نمضي قُدُماً في التقليل من آثارها أو إزالتها تماماً. هكذا نقضي على هاتين المشكلتين».
تفصيل ذلك في الحوار الكامل أدناه.
الحوار كما جرى
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
دعوني أرحّب بالأخت أم علي من السعودية.
- أم عليصاحب الرؤيا
ألو، السلام عليكم يا شيخ.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
وعليكم السلام، أم علي.
- أم عليصاحب الرؤيا
الله يخليك، الله يخليك يا شيخنا. عندي حلمٌ دائماً يتكرّر يا شيخنا: أحلم أني في حالة سفر بقطار أو سيارة. والشيء الثاني: دائماً أحلم أني في حالة خوف من شيء ما، والحرب مثلاً. وقبل فترة يا شيخ كنت دائماً أحلم — وتكرّر كثيراً عندي هذا الحلم — أني عمياء، أو أن في عينيّ غشاوة لا أستطيع أن أرى.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
أي لا تكون عندكِ الرؤية واضحة.
- أم عليصاحب الرؤيا
نعم. وأيضاً دائماً يا شيخنا أحلم بالبيت الأول الذي كنّا نسكن فيه. يا ليت يا شيخنا تفسّرها لي.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّرسؤال غيّر مسار التفسير
أنتِ الآن يا أم علي قلتِ لي أربعة مواضيع، وكلها دسمة ما شاء الله، يعني ما أقدر أوفّيها حقّها في دقائق. لكن أنا أبي أختار لكِ... اختاري موضوعين من المواضيع التي تريدينني أعلّق عليها: تريدينني أتكلّم على حالة السفر بالقطار أو السيارة — أو هذه دائماً — أو الخوف من شيء ما كالحرب، أو أنكِ عمياء، أو أنكِ تسكنين في البيت القديم؟
- أم عليصاحب الرؤيا
إني دائماً أسافر بقطار أو بسيارة، وإني في حالة خوف.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّرسؤال غيّر مسار التفسير
طيّب، هذه: إنكِ في حالة خوف من شيء ما كالحرب. أنتِ قلتِ «كالحرب»؟
- أم عليصاحب الرؤيا
أيوه، كحرب، أو... يعني أو شخصٌ يلاحقني دائماً يبغى يؤذيني.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
طيّب، أوضّح لكِ. وهذا التوضيح أيضاً يا أم علي حتى للمشاهدين يعني يستفيدون منه. طيّب، شكراً لكِ.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
بالنسبة لمن يرى بشكل دائم أنه في حالة سفر بقطار أو بسيارة: قضية هذه الرؤى تختلف من إنسان إلى آخر، لكن بعض الناس يخشى من تقدّم العمر دون أن يكون قد أنجز شيئاً يستحقّ الإنجاز. يعني مثلاً بعض الشباب يرى أنه دائماً مسافر، وأنه خائف، وأنه في سيارة أو في طائرة، وأنه دائماً في سفر؛ فهذا الإنسان عنده أمانٍ، عنده رغبات، عنده طموح، لكن أحياناً هو «محلّك راوح» لا يتطوّر ولا يطوّر نفسه، فهذا تجده دائماً في سفر. وبعض رجال التجارة مثلاً الذين محلّهم واحد ودائماً يرضون بمرتبةٍ واحدة، يرى دائماً أنه في حالة سفر وأنه غير قادر على تجاوز هذا السفر.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
كذلك الخوف من شيء، أو أن شخصاً يلاحقني، أو أني أخاف من حرب — هذه لها معنى شرعي ولها معنى علمي. أما المعنى الشرعي فهو حربنا مع الشيطان والوسوسة والوسواس الخنّاس — الله يدحره — فهذه حرب دائمة لا تنقطع حتى يموت الإنسان. تبدأ من أول صرخة للطفل: أول ما يولد الطفل يصرخ، فهذا... بدأ الآن ارتباط الشيطان بهذا الطفل. وتنتهي مع محاولة هذا الشيطان عند غرغرة الميت أن يصرفه عن التلفّظ بشهادة أن لا إله إلا الله عند الموت. فهو في مرحلةٍ من الحرب الدائمة. ولذلك الشيطان عبّر عن هذا صريحاً فقال: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾. وقد طرده الله من الجنة وأعطاه الحياة حتى يوم القيامة، قال: ﴿أَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، فالله سبحانه وتعالى جعله لا يموت حتى يوم الدين. فنحن في حرب مع هذا الشيطان؛ هذه هي الحرب الحقيقية التي يخوضها الإنسان.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
وهناك رأي علمي: أنه أحياناً يكون الإنسان الذي يرى أنه في خوف دائماً عنده حالة من حالات الخوف من أمورٍ ما في حياته؛ قد يخشى الظلام، قد يخشى الفضاء، قد يخشى الطوابق العليا، قد يخشى الفشل، قد يخشى مثلاً من الإسقاط المتكرّر — كما سمعنا المتصلة في بداية البرنامج. أيّ واحد عنده خوف من شيء ما، فهو سيرى مثل هذه الرؤى. كيف نواجهها؟ نواجهها بأن نعرف حجم هذه المشكلة، وأن نعرف حقيقتها وكُنهها، ثم نمضي قُدُماً في التقليل من آثارها أو إزالتها تماماً. هكذا نقضي على هاتين المشكلتين.
الفائدة المنهجية
أول ما يُستفاد من هذا المقطع أدبٌ في حجم الجواب: عرضت الرائية أربعة منامات متكرّرة، فلم يوزّع المفسّر وقته عليها كلّها، بل صارحها: «قلتِ لي أربعة مواضيع وكلها دسمة، يعني ما أقدر أوفّيها حقّها في دقائق»، وردّ إليها الاختيار: «اختاري موضوعين». وهذه قسمةٌ مقصودة — أن يُستوفى القليل خيرٌ من أن يُمَسّ الكثير مسّاً.
والمفتاح الثاني وقوفه عند لفظها هي. قالت «خوف من شيء ما، والحرب مثلاً»، فلم يمضِ على «الحرب» وهي أظهر ما في كلامها، بل استوقفها: «أنتِ قلتِ كالحرب؟» فجاءت الزيادة التي غيّرت القراءة: «أو شخصٌ يلاحقني دائماً يبغى يؤذيني». وبهذه الزيادة تحوّل المعنى من حادثةٍ عامّة خارجة عن الرائية إلى مطاردةٍ لها هي، فاستقام له أن يقرأه على وجهين: خصمٌ ملازم لا ينفكّ — وهو الشيطان — أو خوفٌ قائم في نفسها من أمرٍ بعينه.
والثالث أنه قرأ التكرار على أنه وصفُ حالٍ قائمة لا إخبارٌ بحادثٍ آتٍ. فالسفر الدائم في المنام لم يجعله سفراً في اليقظة، بل جعله ضدَّ السفر: بقاءً في المكان مع وجود الطموح — «محلّك راوح» — حتى صار المنام صورةَ من يتحرّك ولا يبرح. وكذلك الخوف المتكرّر جعله خوفاً قائماً لا نذيراً بمخوّف.
والرابع أنه ثنّى في التعبير ولم يوحّد: قدّم وجهاً شرعياً ووجهاً «علمياً» وترك الرائية بينهما، ثم لم يقف عند التفسير حتى أعقبه بعلاج: أن يُعرف حجم المشكلة وحقيقتها وكُنهها أولاً، ثم يُمضى في تقليل آثارها أو إزالتها — فجعل غاية التعبير عملاً لا خبراً.