رؤيا أبي جعفر المنصور في قصر الخُلْد — والهاتفُ ينعاه
رأى المنصور قائلاً على باب قصر الخُلْد يُنشد في نعي الدار وسيّدها، ثم هتف به هاتفٌ بأبياتٍ في زوال المُلك، فقال: هذا أوان أجلي — فمات بعد أقلّ من سنة في طريق الحجّ.
- الرائي
- أبو جعفر المنصور — الخليفة العباسي
- التاريخ
- 158هـ / 775م
- الموضع
- بغداد
- المعبِّر
- المنصور (عبّرها بنفسه)
نصّ الرؤيا
رأى المنصور في قصر الخُلْد الذي بناه وتأنّق فيه مناماً أفزعه، فقال للربيع: ويحك يا ربيع، لقد رأيتُ مناماً هالني. رأيتُ قائلاً وقف في باب هذا القصر وهو يقول:
كأني بهذا القصرِ قد بادَ أهلُه · وأوحشَ منه أهلُه ومنازلُه
وصار رئيسُ القصرِ من بعدِ بهجةٍ · إلى جَدَثٍ يُبنى عليه جنادلُه
ثم رأى بعد ذلك — ويُقال بل هتف به هاتف — أبياتاً منها:
ما اختلفَ الليلُ والنهارُ ولا · دارت نجومُ السماءِ في الفلكِ
إلا لنقلِ السلطانِ عن مَلِكٍ · إذا انقضى مُلكُه إلى مَلِكِ
التفسير
بحسب المنصور (عبّرها بنفسه)
عبّرها بنفسه فقال: هذا أوانُ حضور أجلي وانقضاء عمري.
ولم يحتج إلى معبّر: الشعر المنشَد في المنام يُعبَّر بمعناه في موضعه — والبيتان في رثاء دارٍ خلت من أهلها ونعيِ سيّدها. وهو نظير ما رآه جعفر البرمكي.
واسم القصر نفسه موضع العبرة: «الخُلْد» — سمّاه بما لا يكون إلا في الآخرة، فجاءه النعي على بابه.
ما تحقق منها
فما أقام في الخُلْد إلا أقلّ من سنة حتى مرض في طريق الحجّ، ودخل مكة مُدنَفاً ثقيلاً، ثم مات رحمه الله أو عفا عنه سنة ثمانٍ وخمسين ومئة.
الدلالة والأثر التاريخي
تُقرأ مع رؤيا أمّه وهي حاملٌ به: تلك في مبدأ أمره وهذه في منتهاه. فبينهما عمرُ رجلٍ أسّس دولةً وبنى بغداد.
وموضعها من هذا الفن بابُ الرؤيا تُنذر بالأجل. وفيها أدبٌ يُنبَّه عليه: أنه لم يكتمها ولم يتجاهلها، وإنما أفصح عنها لخاصّته وعرف ما تدلّ عليه — ثم مضى إلى حجّه. فما عطّلته الرؤيا عن عمل.
درجة الثبوت والمصادر
من مرويّات التاريخ والسِّيَر، تُنقل بأسانيد أهل الأخبار لا بأسانيد المحدّثين — وهي أوسع تساهلاً. فيُستأنس بها في معرفة ما جرى، ولا يُبنى عليها حكمٌ ولا عقيدة.
المصادر: البداية والنهاية لابن كثير في حوادث سنة 158هـ ووفاة أبي جعفر المنصور. وقد جمعها د. إبراهيم بن فهد الودعان في مجموعه «رؤى عُبّرت ووقعت»، ومنه وقفنا عليها.