حملتُ أوراقَ شكاوى ثقيلةً فقيل لي: حقُّها عند الرسول ﷺ — فرميتُها
رأى الرائي أنّه يحمل أوراقاً ثقيلةً جدّاً فسأل: أين تُقدَّم الشكاوى؟ فقيل: عند الرسول ﷺ؛ فرمى الأوراق وقال: ما دام رسولَ الله فلا شكوى. ودخل فرآه ﷺ جالساً وحوله أصحابُه ولعطرهم ريح؛ ثمّ لقي عجوزاً في كوخٍ نادته باسمه وأعطته من «عطر الرسول». فجعلها المفسّرُ زوالَ حيرةٍ بالتمسّك بالسنّة، وجعل العطر جلساءَ صالحين، والمرأةَ الدنيا؛ ثمّ سأله فأقرّ أنّ تصوّراتٍ خاطئةً عنده تصحّحت بعد الرؤيا.
نص الرؤيا
رأى الرائي أنّ معه أوراقاً كثيرةً يحسّها ثقيلةً بشكلٍ لا يُتصوَّر، وهو يمشي وأمامه ناسٌ يمشون؛ وكان حائراً يريد أن يسأل عن نقطةٍ عنده.
فالتفت فإذا رجلٌ بجانبه، فسأله: أين حقُّ الشكاوى؟ — أين تُقدَّم الشكوى؟ فقيل له: عند الرسول صلّى الله عليه وسلّم.
فمشى قليلاً ثمّ رمى الأوراق وقال: ما دام عند الرسول، فما تبغى تشتكي — خلاص.
ثمّ فتح باب الغرفة، فإذا الرسولُ صلّى الله عليه وسلّم جالسٌ في الوسط وحوله ناسٌ من الصحابة — ولم يرهم على وضوحٍ تامّ، لكنّ له ﷺ ميزةً في الوسط؛ وكان لعطرهم ريح.
فقال في نفسه: خلاص، ما عدتُ أريد الشكوى؛ فأغلق الباب ومشى راجعاً وهو فرحانٌ مرِح.
فلقي امرأةً عجوزاً جالسةً في كوخٍ تقول له: تعال، تعال يا ولدي — تعال يا محمد؛ وقالت: خذ من عطر الرسول هذا، خذ لك منه شويّة. فأعطته شيئاً من ريح هذا العطر في يده.
فاستيقظ من النوم وريحُه صلّى الله عليه وسلّم في يده؛ وقال: لا أستطيع أن أميّزها — لا عنبرٌ ولا عودٌ ولا مسكٌ ولا شيءٌ من هذه العطور.
الخلاصة
«خيراً رأيتَ وشرّاً كُفيتَ إن شاء الله تعالى.
أوّلُ شيء يا محمد: ربّما الرؤيا لها علاقةٌ بأمورٍ كنتَ محتاراً فيها، ويوجد على عينك غشاوةٌ ولا تعرف القرار الصحيح فيها؛ ولكنّ تمسّكَك بالسنّة الصحيحة — على صاحبها أفضلُ الصلاة وأتمُّ السلام — أزال عنك هذه الضبابيّة وأزال عنك هذه الحيرة.
والرؤيا تدلّ بصراحةٍ على وجود بعض أصحابك من الناس الذين ساهموا في وجود بعض الضبابيّة في رؤية الأشياء كما يجب أن تكون، لا كما يرونها هم؛ فربّما شوّهوا عندك بعض الصور.
لكنّ تمسّكَك بمحمّدٍ صلّى الله عليه وسلّم وسنّته يخلق لك جلساءَ صالحين يزيلون عنك هذه الأمور التي كنتَ تراها بشكلٍ مختلف؛ ثمّ تتعرّف على هؤلاء الجلساء الصالحين وهم الذين تحتفظ بهم.
وهم الذين ذكر الرسولُ صلّى الله عليه وسلّم أنّ الجليس الصالح «إمّا أن يُحذيك، وإمّا أن تجد منه ريحاً طيّبة» — فهذا هو الريحُ التي قمتَ وهي في يدك: هؤلاء هم إن شاء الله الجلساءُ الصالحون الذين تستبدلهم ببعض الجلساء الذين كانوا غيرَ جيّدين وكانوا يعطونك تصوّراتٍ خاطئةً في أمورٍ مهمّةٍ في حياتك. هذا تأويلُ رؤياك.
[قال: والمرأةُ التي أعطتني العطر؟] — الحُرمةُ هذه هي الدنيا؛ وهذا العطرُ هو الجلساءُ الصالحون الذين تتعرّف عليهم ويكونون فيما بعدُ رفقاءَ لك.
[ثمّ ذكر الرائي أنّه صار يطيّب مواضع سجود المصلّين في المسجد] — هذا من بركات هذه الرؤيا؛ وقيامُك بأعمالٍ فيها خدمةٌ لهذه الشريعة ولمحمّدٍ صلّى الله عليه وسلّم، وتعظيمُك لبيوت الله — هذا بشارةُ فعلٍ أيضاً تحتمله الرؤيا.
لكن أنا أقول: يا محمد، متأكّدٌ أنّه كان عندك تصوّراتٌ خاطئةٌ عن بعض الأمور الشرعيّة ثمّ تصحّحت بعد هذه الرؤيا، وأصبح عندك تصوّراتٌ أخرى موافقةٌ لما في الشريعة الإسلاميّة. [قال: فعلاً صحيح] — هذا ما عنيتُه. ثبّتك الله على دينه يا محمد».
تفصيل ذلك في الحوار الكامل أدناه.
الحوار كما جرى
- محمدصاحب الرؤيا
ما أدري كيف — كلّ فترةٍ بعد خمسة أشهرٍ كذا يعاودني هذا الحلم، يذكّرني، يعيد لي الموقف الكامل هذا.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
تكرّر عليك يا محمد؟ هو نفسُ الموقف؟ هل رأيتَه مرّةً واحدةً أو تكرّر عليك أكثر من مرّة؟
- محمدصاحب الرؤيا
مرّةً واحدةً فقط.
- محمدصاحب الرؤيا
الحلم: معي أوراقٌ كثيرةٌ ثقيلة، أحسّها ثقيلةً بشكلٍ ما يُتصوَّر؛ وأشوفني أمشي، وفي ناسٌ قدّامي يمشون. ويوم جئتُ أحسّ إنّي حائر، أبغى أسأل — عندي نقطةٌ أبغى أسأل عنها.
- محمدصاحب الرؤيا
التفتُّ إلّا في رجلٍ بجنبي، فسألتُه: وين حقُّ الشكاوى؟ فقال: عند الرسول. فمشيتُ شويّةً ثمّ رميتُ الأوراق وقلت: ما دام عند الرسول، ما تبغى تشتكي — خلاص.
- محمدصاحب الرؤيا
وفتحتُ الباب فإذا بالرسول جالسٌ في النصّ ومن حواليه ناسٌ من الصحابة، بس ما شفتهم على وضوح؛ والرسولُ كان له ميزةٌ في النصّ، وعطورهم كذا. فقلت: خلاص، ما عاد أبغى الشكوى؛ فقفلتُ الباب وأمشي راجعاً كذا وأحسّ إنّي فرحانٌ مرِح.
- محمدصاحب الرؤيا
فألقى امرأةً عجوزاً جالسةً في كوخٍ تقول لي: تعال تعال يا ولدي، تعال يا محمد. قلت: أيش فيك؟ قالت: خذ من عطر الرسول هذا، خذ لك منه شويّة؛ فأعطتني شويّةً من ريحة هذا العطر في يدي. ويوم جئتُ أصحو من النوم إلّا وريحتُه عليه الصلاة والسلام نزلت.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّرسؤال غيّر مسار التفسير
لقيتَ الريحةَ بيدك؟
- محمدصاحب الرؤيا
نعم؛ وما أقدر أميّزها — لا عنبر، لا عود، لا مسك، ولا أيّ شيءٍ من هذه العطور.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّرسؤال غيّر مسار التفسير
خيراً رأيتَ وشرّاً كُفيتَ إن شاء الله. أوّلُ شيء يا محمد: ربّما الرؤيا لها علاقةٌ بأمورٍ كنتَ محتاراً فيها، ويوجد على عينك غشاوةٌ ولا تعرف القرار الصحيح فيها؛ ولكنّ تمسّكَك بالسنّة الصحيحة أزال عنك هذه الضبابيّة وأزال عنك هذه الحيرة.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّرسؤال غيّر مسار التفسير
والرؤيا تدلّ بصراحةٍ على وجود بعض أصحابك ممّن ساهموا في وجود بعض الضبابيّة في رؤية الأشياء كما يجب أن تكون لا كما يرونها هم؛ فربّما شوّهوا عندك بعض الصور. لكنّ تمسّكَك بمحمّدٍ ﷺ وسنّته يخلق لك جلساءَ صالحين يزيلون عنك هذه الأمور.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّرسؤال غيّر مسار التفسير
وهم الذين ذكر الرسولُ ﷺ أنّ الجليس الصالح «إمّا أن يُحذيك، وإمّا أن تجد منه ريحاً طيّبة» — فهذا هو الريحُ التي قمتَ وهي في يدك: هؤلاء هم الجلساءُ الصالحون الذين تستبدلهم ببعض الجلساء الذين كانوا يعطونك تصوّراتٍ خاطئةً في أمورٍ مهمّةٍ في حياتك. هذا تأويلُ رؤياك.
- محمدصاحب الرؤيا
والمرأةُ التي أعطتني العطر يا دكتور؟
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّرسؤال غيّر مسار التفسير
الحُرمةُ هذه هي الدنيا؛ وهذا العطرُ هو الجلساءُ الصالحون الذين تتعرّف عليهم ويكونون فيما بعدُ رفقاءَ لك.
- محمدصاحب الرؤيا
أنا — بصفتي — في أحد المساجد كنتُ دائماً آخذ من أجود هذه العطور وأضعه عند جبهة المصلّي، عند موضع السجود.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّرسؤال غيّر مسار التفسير
أنت تقوم بتطييب المسجد؟ وهذا بعد الرؤيا؟
- محمدصاحب الرؤيا
أيوه، هذا بعد الرؤيا والله؛ من نفسي، من ذاتي.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّرسؤال غيّر مسار التفسير
هذا من بركات هذه الرؤيا؛ وقيامُك بأعمالٍ فيها خدمةٌ لهذه الشريعة ولمحمّدٍ ﷺ، وتعظيمُك لبيوت الله — هذا بشارةُ فعلٍ أيضاً تحتمله الرؤيا.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّرسؤال غيّر مسار التفسير
لكن أنا أقول: يا محمد، متأكّدٌ أنّه كان عندك تصوّراتٌ خاطئةٌ عن بعض الأمور الشرعيّة ثمّ تصحّحت بعد هذه الرؤيا، وأصبح عندك تصوّراتٌ أخرى موافقةٌ لما في الشريعة الإسلاميّة.
- محمدصاحب الرؤيا
فعلاً صحيح؛ لأنّي كنتُ صدقاً على جهلٍ قبل ذلك. ولكنّ الحمد لله، لمّا شرحنا الكتب وتعرّفنا وقرأنا عرفنا مصالح ديننا وأمورنا في الدنيا.
- د. فهد بن سعود العصيميالمفسّر
هذا ما عنيتُه. ثبّتك الله على دينه يا محمد.
ما تحقق من الرؤيا
ذكر الرائي من نفسه أنّه صار — بعد الرؤيا — يطيّب مواضع سجود المصلّين في المسجد؛ فقال المفسّر: «هذا من بركات هذه الرؤيا». ثمّ جزم بما لم يذكره الرائي: «متأكّدٌ أنّه كان عندك تصوّراتٌ خاطئةٌ عن بعض الأمور الشرعيّة ثمّ تصحّحت بعد هذه الرؤيا» — فأقرّ: «فعلاً صحيح؛ كنتُ صدقاً على جهلٍ قبل ذلك، ولمّا قرأنا الكتب عرفنا».
الفائدة المنهجية
عمودُ التأويل حديثٌ نبويٌّ واحد. فالرائي استيقظ والريحُ في يده، فردَّ المفسّرُ الريحَ إلى حديث الجليس: «إمّا أن يُحذيك، وإمّا أن تجد منه ريحاً طيّبة» — فصار العطرُ جلساءَ صالحين لا مجرّد طِيب. وهذا مأخذُه المعروف: الرمزُ يُقرأ بالنصّ الشرعيّ الذي ورد فيه، لا بالذوق.
وأمّا الأوراقُ الثقيلة فقرأها شكاوى وحيرة — والرائي نفسُه سمّاها كذلك في منامه: «وين حقُّ الشكاوى؟» — فلمّا دُلّ على النبيّ ﷺ رماها؛ فهذا عندهُ زوالُ الحيرة بالتمسّك بالسنّة: «يوجد على عينك غشاوة… فأزال عنك هذه الضبابيّة». فالمعنى مأخوذٌ من فعل الرائي في المنام لا من صورة الورق.
وزاد ما لم يُسأل عنه: أنّ الضبابيّة كان لها مصدرٌ من الناس — «بعض أصحابك… ربّما شوّهوا عندك بعض الصور»؛ ولذلك كان الجزاءُ من جنس العمل: جلساءُ صالحون يُستبدَلون بهم.
والعجوزُ دنيا. وهذا أصلٌ مقرّرٌ عند المعبّرين: المرأةُ العجوزُ في المنام دنيا؛ فمعنى إعطائها إيّاه من عطر النبيّ ﷺ أنّ الدنيا نفسَها ستسوق إليه هذه الصحبة الطيّبة — لا أنّه يطلبها من مكانٍ آخر.
ثمّ الشاهدُ على منهجه في التحقّق: لمّا ذكر الرائيُ عملاً صالحاً أحدثه بعد الرؤيا — تطييبُ مواضع السجود — لم يكتفِ به، بل جزم بأثرٍ آخرَ لم يذكره الرائي: «متأكّدٌ أنّه كان عندك تصوّراتٌ خاطئة… ثمّ تصحّحت». فلمّا صدّقه الرائيُ ثبتت مطابقةُ التأويل من جهةٍ ثانيةٍ مستقلّة؛ وهو تحقّقٌ أقوى من إقرارٍ يُساق إليه السائل.
ولاحظ أنّه لم يجزم برؤية النبيّ ﷺ ولم يخض في ثبوت الريح بعد اليقظة؛ بل بنى على ما ترتّب في اليقظة من عمل — فالميزانُ عنده الأثر.