الإبل من أوسع رموز هذا الفن، ويجتمع فيها ثلاثة أوجه لا يُرجَّح بينها إلا بقرينة:
الأول: المال والحمل
لأنها مالُ العرب الأول، ولأنها تحمل الأثقال فتصبر عليها. فيُعبَّر الجمل بمالٍ يُحمل ومسؤوليّةٍ تُطاق. وأخذ المعبّرون المال من لفظ «جمال» بحذف أوّله — وهو تعبيرٌ بدلالة اللفظ، يُصار إليه عند القرينة لا ابتداءً.
الثاني: الجانّ والنفس الأمّارة
لِما جاء في الحديث من الأمر بعدم الصلاة في أعطان الإبل، وقوله فيها إنها «خُلقت من الشياطين» — أي في نفارها وشدّتها. فتُعبَّر بما يشقّ على النفس ويجمح بها، وبالنفس الأمّارة إن كانت في المنام هائجةً لا تُملَك.
الثالث: المرأة في الناقة
لأن الناقة أنثى تُركب وتُقتنى ويُرحل عليها. فالناقة المربوطة امرأةٌ محبوسةٌ عن أمرها، والمُطلَقة السائبة ضدُّها.
والجمل الأبيض أحسنُها، لِما ورد أن أهل الجنّة يُحشرون على البُخت — ففيه تنعّمٌ وراحة.
رمزُ الجمل والإبل: عزٌّ ومال، وشدّةٌ وحزن، ونزغُ شيطان
عدّ د. فهد العصيمي معانيَ رؤية الجمل والإبل، وقرن بكلّ معنىً دليلَه أو تعليلَه:
أوّلاً — نزغُ الشيطان. «قد يكون من معاني رؤية الجمل وجودُ نزغٍ من الشيطان؛ لحديث قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: ما من بعيرٍ إلّا في ذروته شيطان — والحديثُ مخرَّجٌ في مسند الإمام أحمد».
ثانياً — الغنى والعزّ والمال. «ودليلُ هذا الكلام قولُ الرسول ﷺ: الإبلُ عزٌّ لأهلها — إلى آخر الحديث».
ثالثاً — الشدّةُ والغلظة. «لأنّ الجمال هي سفنُ الصحراء، ولأنّ رعيَها شديد؛ ولذلك ضرب الرسولُ ﷺ المثلَ فيها».
رابعاً — صعوبةُ حفظ القرآن. «لأنّ الرسول ﷺ قال: إنّ هذا القرآن يتفلّت منكم كما تتفلّت الإبلُ في عُقُلها».
خامساً — تذكيرٌ بالأضحية. «من معانيها أنّها قد تكون تذكيراً من صاحبها — خاصّةً في وقت الأضاحي — أنّه يريد أن يُضحّي».
سادساً — السيول. «تدلّ أيضاً على السيول إذا جاءت».
سابعاً — الصبرُ والتحمّل. «قد تدلّ على صفة الصبر والتحمّل».
ثامناً — الجهل. «قد تدلّ على صفة الجهل، لقول الله تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ﴾».
تاسعاً — الحزن. «ممكن أيضاً الجملُ يدلّ على الحزن؛ فالذي يشاهد دائماً الجمالَ قد يُستشفّ أنّه دائماً رجلٌ حزين — ولذلك يُروى عن النبيّ ﷺ قولُه: ركوبُ الجمل حزنٌ وشهرة».
عاشراً — الثأر. «قد يدلّ أيضاً على وجود ثأرٍ، وأنّ هذا الإنسان لم ينسَ الثأر؛ وقد ورد أنّ الإبل لا تنسى أبداً من يسيء إليها، وأنّها تنتقم منه ولو بعد حين».
ثمّ قال: «هذه دلالاتٌ كتبتُها في معاني رؤية الجمال».
وتأمّلْ كيف تتقابل المعاني في الرمز الواحد: عزٌّ ومال في مقابل حزنٍ وجهل، وصبرٌ وتحمّل في مقابل شدّةٍ وغلظة. فلا يُنزَّل واحدٌ منها إلّا باستقصاء حال الرائي — على أصله: «لا توجد دلالةٌ محدّدةٌ دائماً لرمزٍ ما من الرموز».
ما ورد في هذا الرمز من نصوص الوحي ممّا استُدلّ به في متن المدخل:
- حديث صحيح — «ما من بعيرٍ إلّا في ذروته شيطان» — مسند الإمام أحمد
- حديث صحيح — «الإبلُ عزٌّ لأهلها» — من حديثٍ في السنن
- حديث صحيح — «إنّ هذا القرآن يتفلّت… كما تتفلّت الإبلُ في عُقُلها» — متّفقٌ عليه
- آية — ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ — الفرقان: 44