لا تُثبَت الأحكام الشرعيّة بالرؤى والأحلام
هل يجوز أن أُثبت حكماً شرعيّاً بمنام؟ وإذا رأيتُ النبيَّ ﷺ في المنام يأمرني بعملٍ، هل أنفّذه؟
درسٌ يقرّر أنّ الأحكام الشرعيّة لا تُثبَت بالرؤى والأحلام؛ لأنّ النائم ليس في حال ضبطٍ وحفظ، وهما شرطا قبول الرواية عند أهل الحديث. فإن أُمِر الرائي بعملٍ له أصلٌ في الشريعة فالأمر فيه سعة، وإن خالف الشريعةَ فلا يُعمَل به. ويُنقَل شرطُ الشاطبيّ: ألّا تخرم الرؤيا حكماً شرعيّاً، وأن تكون موافقةً لظاهر الشريعة.
التفصيل
افتتح المفسّرُ الدرسَ بالمسألة التي بُني عليها كلامُه كلُّه: «لماذا لا نثبت الأحكام الشرعية من خلال الرؤى والأحلام»، ثمّ أورد شبهةً يحتجّ بها بعضُهم: «طيب يأتي واحد ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم أثبت حكما شرعيا من خلال الرؤى والأحلام»، فردَّها بقوله: «أظن هذه حجة داحضة»، وفرَّق بأنّ «الرسول صلى الله عليه وسلم يختلف»، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾، ثمّ أعاد: «فهو يختلف».
ثمّ قرَّر الحكمَ فيمن جاء بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم في مسائل متتابعة:
١ — قطعَ بالمنع فقال: «أنا أقول الآن لا يجوز هذا ولا يجوز إثبات حكم شرعي خاصة إذا كان هذا الحكم الشرعي خلاف الشريعة وما يعمل فيها».
٢ — وعلَّل المنعَ بانتفاء شرط الضبط في حال النوم: «لأن حالة النوم ليست بحالة ضبط وليست بحالة تحقيق لما يسمعه الراوي»، ثمّ بناه على قاعدة أهل الحديث: «اتفق علماء الجرح والتعديل وعلماء الرواية وعلماء الدراية على أن من شروط القبول للرواية من الشخص أن يكون ضابطاً وأن يكون حافظاً»، ثمّ ساق الاستفهامَ المنكِر: «النائم هل هو بهاتين الصفتين؟ هل النائم في حالة ضغط؟ هل النائم في حالة تيقظ أبدا». وقد ورد لفظُ «ضغط» هكذا في التفريغ وسياقُ كلامه قبله على «الضبط»، فيُنقَل كما جاء ولا يُبدَّل.
٣ — ثمّ فصَّل فيمن رأى النبيَّ صلى الله عليه وسلم يأمره بعمل، فسأل: «هل ينفذ الإنسان هذا العمل أو لا ينفذه؟»، وأجاب: «الحقيقة إذا كان هذا العمل له أصل في الشريعة الإسلامية فهنا الأمر فيه سعة يعني إذا كان سنة من السنن إذا كان مندوب من المندوبات إذا كان ترك يأمره بترك مكروه من المكروهات يأمره بترك محرم هذه الأشياء ممكن أن تعمل».
٤ — وضرب مقابلَه مثالاً: «جاء إنسان وقال أنا رأيت الرسول يأمرني بأن أترك والدي أو أن أعق أبي أو أن أذهب إلى رحلة ماجنة إلى آخره. هذا لا يجوز العمل فيه».
٥ — وبيَّن مأخذَ الفرق بين الصورتين: «لأن هذا ليس حكما بمجرد الرؤية فقط وجاءت فيه المنامات فقط بل بما هو موجود أصلًا في الشريعة الإسلامية»، ثمّ نقل الشرطَ عن الشاطبيّ: «وقد قرر الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى أن شرط العمل بمقتضى الرؤية ألا تخرم حكما شرعيا وأن تكون موافقة لظاهر الشريعة».
٦ — وأمّا ما خالف الشريعة فردَّه إلى ثلاثة مصادر: «وأما ما جاء من الرؤى وفيه مخالفة للشريعة أو مخالفة لقاعدة من قواعد الشريعة فهو إما أن يكون خيالاً من صاحبه أو أن يكون توهم وإما أن يكون قد صوره له الشيطان الرجيم الذي يريد منا أن نحيد عن الطريق المستقيم وأن أن نأتي بالبدع وأن نأتي بالخرافات» — والتكرارُ في «وأن أن» من لفظ المتكلّم كما ورد.
٧ — وختم بالعلّة الجامعة: «وهذه المنامات لا يصح اعتبارها لما هو ثابت وتكلمنا فيه طويلاً من أن الشريعة قد كملت وهذا الدين قد كمل ولا يكمل هذا الدين من خلال الرؤى والأحلام».
مأخذُ القاعدة: الرؤيا خبرٌ، والخبرُ لا يُقبَل إلّا ممّن تحقّق فيه الضبطُ والحفظ، والنائمُ ليس كذلك؛ فسقط أن تكون الرؤيا مصدراً مستقلّاً لحكمٍ شرعيّ. فإذا وافقت الرؤيا أصلاً ثابتاً في الشريعة فالعملُ حينئذٍ بالأصل الثابت لا بالمنام. وإذا خالفت الشريعةَ أو قاعدةً من قواعدها رُدَّت وأُحيلت على خيال الرائي أو وهمه أو تصوير الشيطان. والأصلُ الحاكم على ذلك كلِّه أنّ الدين قد كمل، فلا يُستدرَك عليه بمنام.
الأدلّة
3 دليلإِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ
سورة النجم: 4ورد في القرآنمن شروط القبول للرواية من الشخص أن يكون ضابطاً وأن يكون حافظاً
قاعدة علماء الجرح والتعديل وعلماء الرواية والدراية في شروط قبول الخبرمصدر تراثي معتمدشرط العمل بمقتضى الرؤية ألا تخرم حكما شرعيا وأن تكون موافقة لظاهر الشريعة
الإمام الشاطبي رحمه الله تعالىمصدر تراثي معتمد
فماذا تفعل؟
إذا رأيتَ في منامك أمراً أو نهياً، فاعرض الرؤيا على الشريعة قبل أن تعمل بها، على هذا الترتيب:
- إن كان المرئيُّ له أصلٌ في الشريعة — سنّةٌ من السنن، أو مندوبٌ من المندوبات، أو تركُ مكروهٍ أو تركُ محرَّم — فالأمر فيه سعة، واعمل به على أنّه عملٌ بالأصل الشرعيّ لا بالمنام.
- إن كان المرئيُّ مخالفاً للشريعة — كعقوق الوالدين أو هجرهما، أو سفرٍ في معصية — فلا يجوز العمل به، وإن رأيتَ الآمرَ في صورة النبيّ صلى الله عليه وسلم.
- لا تُثبت بمنامك حكماً شرعيّاً على نفسك ولا على غيرك، ولا تُحدِث عبادةً ولا هيئةً في عبادة لم تثبت في الشريعة.
- لا تُلزِم أحداً برؤياك، ولا تجعلها حجّةً في خصومةٍ أو فتوى.
- إن اشتبه عليك الأمر فاسأل أهل العلم عن حكم الفعل نفسه في الشريعة ودع المنام جانباً؛ فإن ثبت الحكمُ عملتَ به، وإن لم يثبت فالمنامُ لا يُثبته.
في الباب نفسه: أحكامٌ ومحاذير
- ما حكم من يدّعي رؤيا لم يرَها؟
- هل يجوز أن أبني على رؤيا طلاقاً أو تُهمةً أو تركَ عمل؟
- رأيتُ ميّتاً يُخبرني بشيء — هل ما يقوله حقّ؟
- هل رفضُ الفتاة للخُطّاب أو تأخّرُ الزواج دليلٌ على مسٍّ عاشقٍ أو سحر؟
- هل يصحّ أن يطلب الراقي من المريض أن يتخيّل أشخاصاً وهو مستيقظ؟
- هل يصحُّ أن يجزم لي المعبِّر بأنّ في بطني ذكراً أو أنثى اعتماداً على رؤيا؟
- والدتي مريضةٌ منذ سنين وأجرت الفحوصَ كلَّها فأكّدوا سلامتَها، وصارت تشكو كثرةَ الأحلام المفزعة، فهل نلتفت إليها ونبحث عن تفسيرها؟
- ابني مات بحادث — هل هو شهيد؟ وهل تدلّ الرؤيا على ذلك؟
- زوجي يضربني وهو نائمٌ لا يشعر — ما تفسير هذا الحلم؟
- أعاني من الكوابيس والجاثوم — ما العمل؟ وهل لفصيلة الدم أثر؟
- تتعثّر أموري وتتوالى عليّ المنامات المزعجة — أهو سحر؟
- أرقي نفسي منذ مدّةٍ وكثرت عليّ الأحلام — هل أُعبّرها؟
- أوصاني ميّتٌ في المنام بوصيّة — هل يلزمني تنفيذها؟