«مع العلم أنني مسحورة»: إقحامُ التشخيص في متن الرؤيا
حين أقصُّ رؤياي على المعبِّر، هل أذكر له أنّني مسحورةٌ أو محسودة؟ وهل كثرةُ ما يصيبني من ابتلاءاتٍ دليلٌ على سحرٍ أو عين؟
درسٌ مُرسَلٌ بلا مكالمة: يعالج فيه الدكتور فهد العصيمي مَن تتعدّد ابتلاءاته فينسبها إلى السحر والعين، ثمّ يُمرِّر هذا الحكم إلى المعبِّر في أثناء عرضه رؤياه فيقول «مع العلم أنني مسحورة». ويقرّر أنّ كثرة البلاء قد تكون رفعةَ درجةٍ أو تكفيرَ تقصير، وأنّ من أسبابها لسانَ الإنسان ودعاءه على نفسه وتشاؤمَه.
التفصيل
حلقةٌ قصيرةٌ لم يُعرَض فيها منامٌ ولا جرى فيها تعبير؛ فتح فيها المفسِّرُ مسألةً يقع فيها كثيرٌ من أصحاب الرؤى: مَن تتوالى عليه المصائبُ فيَعُدُّ نفسه مخصوصاً بها دون الناس، ثمّ يحمل هذا الحكمَ معه إلى مجلس التعبير. وصدّر لها بقوله إنّه يريد أن يناقش «هل كثرة الابتلاءات كثرة الأمور المحزنة، المحبطة هل لها سبب؟».
وقدّم بين يدي المسألة تعليلَين شرعيَّين لكثرة البلاء. الأوّل رفعةُ الدرجة، استدلّ له بحديث شدّة بلاء الأنبياء، وقال في شرحه:
(١) «فإنه تكثر ابتلاءاته وهذا ربما لأن الله سبحانه وتعالى يريد أن يرفع درجته بما يصيبه من الابتلاء في الدنيا».
والثاني تكفيرُ الخطايا، استدلّ له بحديث «ما يصيب المؤمن من همٍّ ولا غمٍّ…» ثمّ قال:
(٢) «فأيضاً نستفيد من هذا أنّ هذه الابتلاءات والغموم والهموم التي تصيبنا بين فترةٍ وأخرى هي للتكفير عن تقصيرنا».
ثمّ انتقل إلى موضع الشاهد من مجلس التعبير، وهو أن يَقدَم الرائي بحكمٍ جاهزٍ يريد أن يسوقه إلى المعبِّر مدسوساً في متن رؤياه:
(٣) «بعض الناس عندما تتعدد ابتلاءاته يربط بين هذا وبين العين والسحر ولذلك يحاول أن يمرر لك المعلومة فيقول في أثناء عرضه لرؤية مثلاً مع العلم أنني مسحورة».
(٤) «فليس… السبب للابتلاءات هو السحر فقط أو العلم فقط، لا قد يكون السبب جانب مشرق». (كذا وردت لفظةُ «العلم» في تفريغ الحلقة، والسياقُ قبلها وبعدها على «العين»؛ أُثبتت كما نُطقت ولم تُبدَّل.)
(٥) «سبب حديثي هذا أن الابتلاء أيها الأخوة والأخوات قد يكون خلفه تصفية تنقية لدرجتك رفعة في منزلتك فاصبر واحتسب».
ثمّ فتح باباً ثالثاً لأسباب البلاء غير السحر والعين، وهو لسانُ الإنسان نفسه، مستنداً إلى معنى آية الشورى:
(٦) «ما أصابنا في الدنيا قد يكون بسبب أنفسنا بسبب دعاءنا على أنفسنا بسبب تشاؤمنا بسبب تقصيرنا بسبب استعجالنا للنعم».
(٧) «فالبلاء موكل بالمنطق لذلك احذر أن تدعو على نفسك».
وضرب لذلك مثالَين: الشابُّ أو الشابّةُ يُسأل عن الزواج فيجيب بنفيه عن نفسه، والأمُّ تزور ابنتها في أوّل أسبوعٍ من زواجها فتردّ الدعاءَ لها بالحمل تريد تأخيره عنها. ثمّ ختم بأمرَين:
(٨) «لا توقعوا البلاء على أنفسكم»، وقال: «خل لسانك بهذا الشكل في التفاؤل وفي إلقاء إيقاع الخير عليك. أبعد عن إيقاع الشر على نفسك وحاول إنك ما تتشائم».
(٩) «لا تربط كل ما يصيبك من آفات بحسد أو بعين أحياناً يصيب الإنسان آفة من الطبيعة، أشياء طبيعية» — ومثّل له بخراب التلفاز والجوّال واحتراق اللمبة، وأرجعه إلى رداءة المنتَج أو سوء الاستعمال.
ومأخذُ القاعدة: أنّ متنَ الرؤيا يُروى مجرَّداً كما رآه صاحبُه، فإذا أُلحق به تشخيصٌ سابقٌ من الرائي — «مع العلم أنني مسحورة» — لم يَعُد عرضاً للرؤيا، بل صار توجيهاً للمعبِّر إلى وجهٍ بعينه قبل أن ينظر. وسندُ هذا النهي عند المفسِّر أنّ كثرةَ الابتلاء ليست بذاتها أمارةً على سحرٍ ولا عين، إذ لها في الشرع تعليلاتٌ أخرى: رفعةُ الدرجة، وتكفيرُ التقصير، وما يجرّه المرءُ على نفسه بلسانه وتشاؤمه.
الأدلّة
4 دليلوَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ
سورة الشورى، الآية 30 — وقد أحال إليها المفسِّرُ بالمعنى ولم يتلُها بلفظهاورد في القرآنقلتُ: يا رسولَ الله، أيُّ الناسِ أشدُّ بلاءً؟ قال: الأنبياءُ، ثمّ الأمثلُ فالأمثلُ، يُبتلى الرجلُ على حسبِ دينِه، فإن كان في دينِه صُلباً اشتدّ بلاؤه، وإن كان في دينِه رِقّةٌ ابتُلي على حسبِ دينِه، فما يبرحُ البلاءُ بالعبدِ حتى يتركَه يمشي على الأرضِ ما عليه خطيئة
أخرجه الترمذي (2398) وابن ماجه (4023) والدارمي، من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه؛ قال الترمذي: حسن صحيححديث صحيحما يُصيبُ المسلمَ من نَصَبٍ ولا وَصَبٍ ولا همٍّ ولا حُزنٍ ولا أذًى ولا غمٍّ، حتى الشوكةِ يُشاكُها، إلا كفّر اللهُ بها من خطاياه
متفق عليه: أخرجه البخاري (5641) ومسلم (2573) من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهماحديث صحيحالبلاءُ مُوكَّلٌ بالمنطق
مثلٌ سائرٌ من كلام العرب؛ ذكره السخاوي في «المقاصد الحسنة» وبيّن أنّه لا يثبت مرفوعاً إلى النبيّ صلى الله عليه وسلممختلف في صحته
فماذا تفعل؟
ماذا تفعل حين تعرض رؤياك:
- اروِ متنَ الرؤيا مجرَّداً: ما رأيتَ فقط، بلا حكمٍ ولا تشخيصٍ مُلحَق به.
- احذف من عرضك عبارات مثل «مع العلم أنني مسحورة» أو «وأنا محسودة» — فهي توجيهٌ للمعبِّر لا خبرٌ عن المنام؛ وإن كان عندك تشخيصٌ سابقٌ فأخّره إلى ما بعد التعبير إن سُئلت عنه.
- لا تجعل تعدُّدَ الابتلاءات وحدَه دليلاً على سحرٍ أو عين؛ فقد يكون رفعةَ درجةٍ أو تكفيرَ تقصير.
- راجِع لسانك: لا تدعُ على نفسك ولا على ولدك، ولا تردَّ الدعاءَ بالخير رغبةً في تأخيره.
- ما تكرّر من عطبٍ في الأشياء (جهازٌ يتلف، مصباحٌ يحترق) اطلب له سببه الطبيعيّ أوّلاً: رداءةَ المنتَج أو سوء الاستعمال.
في الباب نفسه: آداب الرؤيا وقصُّها
- على مَن أعرض رؤياي؟ وهل يجوز أن أقصّها على أيّ أحد؟
- رأيتُ في منامي ما أكرهه وأخافه، فماذا أفعل؟
- هل المعبّر هو الذي يصنع الرؤيا؟ وهل تتغيّر بتغيّر تفسيره؟
- هل أعرض رؤياي على أكثر من معبّرٍ حتّى أطمئنّ؟
- كيف أوفّق بين النهي عن التحدّث بالرؤيا المكروهة وبين طلبي تفسيرها؟ وكيف أعرف أنّ رؤياي حسنةٌ أو غير حسنة قبل أن أسأل عنها؟
- كيف أعرف أنّ هذا المعبّر ممّن يُسأل عن الرؤى أم يُترك؟ وهل خطؤه في تعبير رؤيا واحدة دليلٌ على أنّه ليس أهلاً للسؤال؟
- رأيتُ منامًا سارًّا لا أرغب في وقوعه، فهل تمنع الاحترازاتُ تحقُّقَه؟
- بُشِّرتُ في تعبير رؤياي بوظيفةٍ ومولود، وفرحتُ بذلك فرحاً شديداً — فهل يمكن أن أصيب نفسي أو أهلي بالعين من شدّة هذا الفرح؟ وماذا عليّ أن أفعل؟
- أختي رأت رؤيا ولا تستطيع الاتّصال بنفسها، فهل أقصُّها على المعبّر بلساني كأنّني أنا التي رأيتُها؟
- هل يصحُّ أن أُرسل رؤيايَ إلى أكثر من مفسِّرٍ في وقتٍ واحدٍ حتّى أطمئنَّ إلى الجواب؟
- هل أبحث عن معنى رؤياي في كتب تفسير الأحلام؟
- يتكرّر عليّ منامٌ واحد — هل أسأل عنه؟ ومتى يتوقّف تكراره؟
- لماذا يسألني المعبّر عن حالي وعملي وما يشغلني؟
- لماذا ينفر الناسُ من علم تعبير الرؤيا؟
- على من أعرض رؤياي؟ ولماذا لا أعرضها على كلّ أحد؟
- رأيتُ مناماً أفزعني، فهل أسأل عن تعبيره أم أُمسِك عنه؟ وماذا أصنع به؟