التنفيس في الحلم والبشرى في الرؤيا: وظيفتان لا تختلطان
ما الفرق بين ما يفعله الحلمُ في النفس وما تحمله الرؤيا من بشرى ونذارة؟
درسٌ لد. فهد العصيمي يفرّق بين وظيفتين لِما يراه النائم: الحلمُ تنفيسٌ نفسيّ يشبّهه بعضُ علماء النفس بالإبرة التي تمنع الجهاز من الانفجار، والرؤيا مثبّتاتٌ ومبشّراتٌ ومنذراتٌ لأصحابها، تزيد عند الأتقياء الصالحين، وهي من الغيب الذي يمتاز المؤمن بالإيمان به.
التفصيل
هذا الدرسُ من دروس د. فهد العصيمي في برنامج الأحلام، وليس فيه رؤيا لسائل؛ إنّما هو تقريرُ قاعدةٍ تميّز بين وظيفتين لِما يراه النائم: وظيفةٍ نفسيّةٍ يذكرها عن بعض علماء النفس في «الأحلام»، ووظيفةٍ شرعيّةٍ تختصّ بها «الرؤى». ثمّ يبني على ذلك أنّ الرؤيا من الغيب الذي يمتاز به المؤمن، ويردّ على منكريها بحجّةٍ مدارُها على قلّة رؤية النبيّ صلى الله عليه وسلم في المنام.
أوّلاً: قال في الوظيفة النفسيّة للحلم — «بعض علماء النفس يقول إنها مثل الإبرة التي تكون في بعض الأجهزة تمنعها من الانفجار تنفيس تنفيس لبعض الأشياء التي يكون الإنسان أحيانا نائم وهو مثقل فيها فيرى الأحلام وهذه الأحلام تنقله إلى عالم عالم آخر».
ثانياً: ومثّل لذلك بمن وقع عليه ما يؤذيه في يقظته — «فإذا كان مثلاً أهين من مديره أو أحس بإهانة جهة من جهات المعادية له أو عنده عداوات فإنه في أحلامه قد يحصل له نوع من التنفيس فيستطيع أن يفعل ما لا يفعله في اليقظة هذا نوع من أنواع الأحلام ولذلك هذه الأحلام صمام أمان لأصحابها».
ثالثاً: ثمّ قابل ذلك بوظيفة الرؤيا — «أيضا الرؤى هي تأتي وهي مثبتات ومبشرات ومنذرات لأصحابها الرؤيا تزيد عند الناس الأتقياء الصالحين».
رابعاً: واستدلّ بقوله تعالى — ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾، ثمّ قال: «الأولياء لهم شرطان الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ حسنا ماذا يكون لهؤلاء؟ قال لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة البشرى ما هي ورد في الحديث الصحيح تفسير لهذه الآية».
خامساً: وبيّن منهجه في أخذ التفسير ثمّ فسّر البشرى — «ونحن نأخذ التفسير الصحيح من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، أولا من القرآن أحيانا، وإذا لم نجد فقد يكون بسنة، وقد يكون من أحاديث الصحابة وتفسيراتهم، فالبشرى هي الرؤية الصالحة أو ترى له أحيانا الرؤية يراها المسلم وأحيانا ترى رؤية لهذا المسلم».
سادساً: ثمّ ألحق الرؤى بباب الغيب — «ففعلا هذه الرؤى وهذه الأشياء التي نراها في عالم النوم هي من الغيب والمؤمنون يمتازون بالإيمان بالغيب». وعدَّ أركانَ الإيمان الستّة ونبّه على أنّها غيبيّات، واستشهد بأوّل سورة البقرة في الثناء على المؤمنين بالغيب.
سابعاً: وفرّق بين درجتَي الإسلام والإيمان — «هذه أشياء غيبية يتميز فيها المؤمن عن المسلم المسلم ربما له الأشياء البسيطة المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده يعني الاسلام درجة أقل من درجة الإيمان الإيمان لما تنتقل إلى أن تؤمن بالغيب».
ثامناً: ثمّ نصَّ على موقع الرؤيا من هذا الباب — «الرؤية نوع من هذا الإيمان الذي يجب أن يسلم فيه الإنسان وهي من الأمور الغيبية».
تاسعاً: وذكر تاريخ الاعتراض عليها — «ولذا أول من عارض هذه الرؤى واعترض عليها المعتزلة فهم أنكروا هذه الرؤى تبع المعتزلة فئة من … المتعالمين الذين يظنون أن العلم فقط مادي وليس هناك شيء اسمه غيب وروحي فقالوا إن هذه الرؤية هي عبارة عن تراكمات وضغوط يراها الإنسان بعد أن يفكر فيها».
عاشراً: ثمّ ساق حجّته عليهم — «أنا دائما أقول لهؤلاء إذا كانت الرؤى هي الأشياء التي يفكر فيها الإنسان ويتمناها ويبحث عنها أريد أن أسأل الجميع الآن من منكم رأى محمدا صلى الله عليه وآله وسلم في رؤيا إن قلتم القليل فأنا أقول أليس الكثير من الناس يتمنى أن يرى محمد صلى الله عليه وسلم».
حادي عشر — وتابع مستفهماً: «ألسنا نحب محمد؟ ألسنا نحب سنته؟ ألسنا نتبعه؟ ألسنا نتبع قوله؟ ألسنا نتبع أفعاله؟ لماذا لا نراه في النوم؟».
ثاني عشر — ثمّ قرّر لازم قولهم: «إذا كانت الرؤية هي عبارة عن الأشياء التي يتمناها الإنسان و يفكر فيها و يبحث عنها فإذا لكانت رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم منتشرة على نطاق واسع، وأما في الحقيقة فنحن لا نراه عليه الصلاة والسلام ما ندر».
⑬ وختم هذا المعنى بحديث الرؤيا الحقّ: «وهذه الرؤى التي أحيانا ترى لمحمد صلى الله عليه وسلم وهي قليلة جدا وعزيزة هي لفئة خاصة ولذلك الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر عمن يراه يقول من رآني فقد رأى الحق فإن الشيطان لا يتمثل بي أو لا يتكونني».
⑭ وخلاصةُ الدرس بلفظه: «خلاصة الكلام أن هذه البرامج التي تتحدث عن الرؤية لها وجهتها ولها جمهورها وهي أيضا لها أصولها الشرعية الصحيح».
ثمرةُ القاعدة للقارئ: أن يعرف بابَ ما رآه قبل أن يطلب تأويلَه. فإن كان ما رآه صدىً لضيقٍ أو إهانةٍ أو عداوةٍ حملها في يقظته فهذا في وصف الدرس «صمام أمان» يُنفَّس به عنه، ولا يُبنى عليه حكمٌ ولا يُطلب له تعبير. وإن كان الرائي على الشرطين المذكورين في الآية — إيمانٍ وتقوى — فالرؤيا في حقّه من جنس «مثبتات ومبشرات ومنذرات»، تُثبّته أو تُبشّره أو تُنذره، وقلّتُها وعزّتُها في رؤية النبيّ صلى الله عليه وسلم دليلٌ — كما قرّر — على أنّها ليست صناعةَ الأمنيات. وعلى القارئ أن يتلقّى ذلك من باب الإيمان بالغيب لا من باب التحليل المادّيّ وحده.
الأدلّة
6 دليلقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: 62–64]
درسُ د. فهد العصيمي — «برنامج الأحلام»ورد في القرآنقوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: 2–3]
درسُ د. فهد العصيمي — «برنامج الأحلام»ورد في القرآنحديث تفسير البشرى: «هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له» — أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه، وهو المشار إليه بقوله في الدرس: «ورد في الحديث الصحيح تفسير لهذه الآية»
درسُ د. فهد العصيمي — «برنامج الأحلام»حديث صحيححديث: «من رآني فقد رأى الحقّ، فإنّ الشيطان لا يتمثّل بي» — متّفق عليه، رواه البخاري ومسلم
درسُ د. فهد العصيمي — «برنامج الأحلام»حديث صحيححديث: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» — متّفق عليه، رواه البخاري ومسلم
درسُ د. فهد العصيمي — «برنامج الأحلام»حديث صحيححديث جبريل في أركان الإيمان الستّة: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشرّه» — رواه مسلم
درسُ د. فهد العصيمي — «برنامج الأحلام»حديث صحيح
فماذا تفعل؟
الحكمُ العمليّ: ميّز أوّلاً بين حلمٍ ورؤيا. فما كان تفريغاً لضيقٍ أو ثأراً متخيّلاً ممّن آذاك في اليقظة فهو من «الأحلام» التي وصفها الدرس بأنّها «صمام أمان لأصحابها»، يُترك ولا يُعبَّر ولا يُبنى عليه قرار. وما جاء على وجه التثبيت أو البشارة أو الإنذار، لا سيّما لمن جمع الإيمان والتقوى، فهو الرؤيا التي فُسِّرت بها البشرى في الآية، وتُتلقّى بالشكر والاستبشار أو بالحذر والاستعداد بحسبها، لا بالجزم بالغيب. وأمّا رؤيةُ النبيّ صلى الله عليه وسلم فهي — بنصّ الدرس — «قليلة جدا وعزيزة»، وهي أقوى ردٍّ على من ردَّ الرؤى كلَّها إلى الأمنيات والتراكمات النفسيّة.
في الباب نفسه: حقيقة الرؤيا وأنواعها
- ما الفرق بين الرؤيا الصادقة والحُلم من الشيطان وحديث النفس؟
- ما معنى أن الرؤيا جزءٌ من ستّة وأربعين جزءاً من النبوّة؟
- متى تكون الرؤيا أصدق؟ وكم تتأخّر حتى يقع تأويلها؟
- هل رؤيا الأنبياء في المنام وحيٌ يجب العمل به كاليقظة؟
- هل يرى الكافرُ والفاسقُ رؤيا صادقة، أم الرؤيا الصالحة للمؤمن وحده؟
- إذا تكرّرت الرؤيا هل يدلّ تكرارُها على صدقها؟ وهل لا بدّ أن تتكرّر؟
- ما الذي يجري للروح في أثناء النوم؟ ولماذا سُمّي النومُ وفاةً صغرى؟
- أنا مهمومٌ قلق، فهل يمكن أن أرى رؤيا مبشِّرة أصلاً؟ ولماذا تتأخّر البشارةُ عن التحقّق؟
- هل يمكن أن تُبشّرني الرؤيا الدنيويّة أو تُنذرني؟ وكيف أعرف أنّ ما قاله لي المعبِّر صحيح؟
- أرى الشيءَ في منامي ثمّ يقع كما رأيتُه، فهل أنا ممسوس والشيطانُ هو الذي يُخبرني؟
- هل تدلُّ الرؤيا على المستقبل دائماً، أم قد تكون عن حاضري أو عن أمرٍ مضى؟
- هل تفيد أحلامُ مَن نُوِّم تنويماً مغناطيسياً في تشخيص حالته؟ وهل تُعبَّر كما تُعبَّر الرؤيا؟