الأشكالُ في المنام: دلالاتُها تُؤخَذ من النصوص
ما دلالة الأشكال الهندسيّة في المنام كالدائرة والخطّ المستقيم والمربّع؟ وكيف يستخرج المعبِّر معانيها؟
درسٌ في دلالات الأشكال الهندسيّة بالمنام: الدائرة تدور على المكر والخديعة واللفّ والدوران، والمستقيم على الانضباط وعدم مخالفة الشريعة، والطول بين الغنى والرفعة والتكبّر، والمربّع على دار العمل والأمل؛ والقاعدة أنّ هذه المعاني تُستنبَط بالاحتكام إلى نصوص الكتاب والسنّة والقياس عليها.
التفصيل
حلقةٌ قصيرةٌ يعقدها الدكتور فهد العصيمي في دلالات الأشكال إذا وردت في المنام، فيمرّ على أربعةٍ منها على الترتيب: الدائرة، ثمّ الخطّ المستقيم، ثمّ الطول، ثمّ المربّع والمستطيل. وليس المقصود منها سردَ معانٍ مجرّدة؛ فإنّه في كلّ شكلٍ يذكر المعنى ثمّ يُتبعه بالنصّ الشرعيّ الذي أُخِذ منه، فيظهر بذلك المنهجُ الذي هو مقصود الدرس.
فبدأ بالدائرة فقال: أوّلاً — «الشكل الأول هو الدائرة الدائرة معانيها تدور بين المكر والخديعة أو الحيلة أو ما يعرف اللف و الدوران»، وزاد: ثانياً — «ممكن نقول أيضاً من معانيها عدم المصارحة عدم التكاشف قد يكون من معانيها العذاب وسوء الخاتمة بمعنى أنها في مجملها معاني سلبية أو سيئة». ثمّ صرّح بالمأخذ فقال: ثالثاً — «من النصوص التي يمكننا أن نتأملها ونحتكم إليها ونقيس عليها قول الله تعالى» — وتلا آيةَ التوبة في تربّص الأعراب بالدوائر — ثمّ عقّب: رابعاً — «هذا نص احتكمنا إليه».
ثمّ انتقل إلى الشكل الثاني فقال: خامساً — «نذهب الى شكل اخر وهو المستقيم علام يدل المستقيم لو كان في بعض الرؤيا رمز مستقيم أو كنت أمشي بخط مستقيم»، وأجاب: سادساً — «المعاني هنا تدور على الانضباط في العمل، عدم مخالفة الشريعة أو التشريعات حتى الوضعية أو القوانين الوظيفية كذلك عدم الإتيان بالبدع أو المعاصي على مستوى العبادة»، ثمّ قال: سابعاً — «يمكننا أن نحتكم إلى النصوص ومنها» فذكر آية «أفمن يمشي مكبّاً على وجهه» وآية «وزنوا بالقسطاس المستقيم».
وأمّا الطول فقال فيه: ثامناً — «شكل آخر الطول أو الطويل وممكن يأتي بمعنى الطول هنا المعاني مختلفة ما بين الغنى و الرفعة وقد يأتي بمعنى التكبر او طول المدة كثرة الصدقة»، ثمّ قال: تاسعاً — «وهناك مجموعة من النصوص يمكن أن نربط بينها وبين هذه المعاني» فساق آيات «لن تبلغ الجبال طولاً» و«وسبّحه ليلاً طويلاً» و«استأذنك أولو الطول منهم»، وأتبعها بقوله: عاشراً — «أيضا وصف المؤذنون بأنهم أطول الناس أعناقا يوم القيامة، ووصف النبي إحدى بناته بطول اليد وهو كناية عن الصدقة»، ثمّ فتح البابَ لغيرها فقال: حادي عشر — «وغير هذا من النصوص التي يمكن للمعبر والمعبرة التأمل بها والانطلاق عند التعبير».
وختم بالشكل الرابع فقال: ثاني عشر — «المربع هو الشكل التالي المربع او المستطيل من أهم المعاني التي نخرج فيها من هذا الشكل العيش في الحياة الدنيا، السعي في الرزق والكد دلالة على دار العمل و الامل»، ثمّ نصّ على دليله فقال: ⑬ «طبعا الدليل الذي استنبطنا منه هذه المعاني أن النبي صلى الله عليه وسلم مرة كان عند الصحابة فرسم خطا مربعا ووضع خطا في داخله خارجا منه وقال هذا الإنسان وهذا أمله والحديث موجود لا يخفى على العالمين بالسنة».
مأخذ القاعدة: الظاهرُ من صنيعه في الأشكال الأربعة أنّه لا يُرسل المعنى إرسالاً ثمّ يطلب له شاهداً، بل يجعل النصَّ هو الأصلَ الذي «يُحتكم إليه» و«يُقاس عليه» — وهذه ألفاظُه — فيَطلب للشكل نظيرَه في استعمال القرآن والسنّة، فما جاء فيهما مقروناً بمعنى نقله إلى المنام. فالدائرةُ أُخِذ سوءُ معناها من اقتران «الدوائر» في التنزيل بالتربّص و«دائرة السَّوء»، والاستقامةُ أُخِذ انضباطُها من مقابلة المشي سويّاً على صراطٍ مستقيم بالمشي مُكِبّاً، ومن الأمر بالقسطاس المستقيم في الكيل. والطولُ تعدّدت معانيه لتعدّد استعمالاته: الغنى في «أولو الطول»، والرفعة في «أطول الناس أعناقاً»، والصدقة في «أطولكنّ يداً»، وطولُ المدّة في «ليلاً طويلاً»، والتكبّرُ في «ولن تبلغ الجبال طولاً» — فبانَ أنّ الشكل الواحد يحتمل وجوهاً بحسب النصّ الذي يُردّ إليه وبحسب سياق الرؤيا. والمربّعُ أُخِذ من خطّ النبيّ صلى الله عليه وسلم المربَّع وما فسّره به. فالقاعدة: أنّ دلالات الأشكال في التعبير ليست اصطلاحاً موروثاً يُسلَّم بلا مستند، وإنّما هي استنباطٌ يُبنى على استعمال الشرع للّفظ، ويبقى بابُ التأمّل في سائر النصوص مفتوحاً للمعبِّر والمعبِّرة.
تنبيهان على نصّ الحلقة: الأوّل أنّ آية «أفمن يمشي مكبّاً على وجهه أهدى أمّن يمشي سويّاً على صراطٍ مستقيم» عُزيت في نصّ الحلقة إلى «الأنبياء - الآية 52»، وهي في سورة الملك، الآية 22. والثاني أنّ قوله «ووصف النبي إحدى بناته بطول اليد» إنّما جاء الحديثُ فيه في أزواجه صلى الله عليه وسلم لا في بناته، كما في تخريجه أدناه؛ ونُقل لفظُه كما ورد ولم يُبدَّل. وفي جملة الطول اضطرابٌ في التفريغ («وممكن يأتي بمعنى الطول هنا المعاني مختلفة») نُقلت على وجهها ولم تُقوَّم.
الأدلّة
9 دليلوَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ ۚ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
سورة التوبة، الآية 98ورد في القرآنأَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ
سورة الملك، الآية 22ورد في القرآنوَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا
سورة الإسراء، الآية 35ورد في القرآنوَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا
سورة الإسراء، الآية 37ورد في القرآنوَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا
سورة الإنسان، الآية 26ورد في القرآنوَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُن مَّعَ الْقَاعِدِينَ
سورة التوبة، الآية 86ورد في القرآنالْمُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ
أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة (387)، من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهحديث صحيحعن عائشة رضي الله عنها: أنَّ بعضَ أزواجِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قُلْنَ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أيُّنا أسرَعُ بكَ لُحوقًا؟ قال: «أَطْوَلُكُنَّ يَدًا». فأخَذوا قصبةً يَذْرَعونَها، فكانت سَوْدَةُ أطوَلَهُنَّ يدًا، فعَلِمْنا بعدُ أنَّما كانت طولُ يدِها الصَّدَقةَ، وكانت أسرَعَنا لُحوقًا به، وكانت تُحِبُّ الصَّدَقةَ
أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة (1420)؛ وهو عند مسلم (2452) بلفظ: «إنَّ أسرَعَكُنَّ لَحاقًا بي أطوَلُكُنَّ يدًا» وفيه أنّها زينبُ رضي الله عنهاحديث صحيحخَطَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطًّا مُرَبَّعًا، وَخَطَّ خَطًّا فِي الوَسَطِ خَارِجًا مِنْهُ، وَخَطَّ خُطَطًا صِغَارًا إِلَى هَذَا الَّذِي فِي الوَسَطِ مِنْ جَانِبِهِ الَّذِي فِي الوَسَطِ، وَقَالَ: «هَذَا الإِنْسَانُ، وَهَذَا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ — أَوْ قَدْ أَحَاطَ بِهِ — وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارِجٌ أَمَلُهُ، وَهَذِهِ الخُطَطُ الصِّغَارُ الأَعْرَاضُ، فَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا، وَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا»
أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق (6417)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنهحديث صحيح
فماذا تفعل؟
إذا مرّ بك شكلٌ في الرؤيا — دائرةٌ أو خطٌّ مستقيم أو طولٌ أو مربَّع — فلا تقف عند صورته المجرّدة، واسلك فيه هذا الترتيب:
- اطلبْ للشكل نظيرَه في استعمال القرآن والسنّة: أين ورد هذا اللفظ؟ وبأيّ معنًى قُرن؟ فذلك أصلُ دلالته.
- لا تُلزِم الشكلَ معنًى واحداً؛ فالطولُ وحده جاء للغنى والرفعة والصدقة وطول المدّة والتكبّر، فرجِّح بحسب سياق الرؤيا وحال صاحبها.
- افصلْ بين الشكل الحسن والشكل المذموم: الاستقامةُ في الطريق والكيل محمودة، واللفُّ والدوران مذموم — والمعنى تابعٌ لِما علّقه النصّ به لا لِما تألفه العين.
- لا تُقفِل الباب على ما سُمع في الدرس؛ فالمذكورُ أمثلةٌ لا حصر، وقد نصّ على أنّ للمعبِّر والمعبِّرة التأمّلَ في سائر النصوص والانطلاقَ منها.
- وتذكّر أنّ الرمز جزءٌ من الرؤيا لا كلُّها؛ فلا تبنِ التعبير على الشكل وحده دون بقيّة عناصرها.
في الباب نفسه: أصول التعبير وقواعده
- على أيّ شيءٍ يبني المعبّرُ تفسيره؟ ولماذا يختلف تعبير الرمز الواحد؟
- لماذا يُخطئ المعبّر وهو يعرف معنى الرمز؟
- بأيّ طريقةٍ يُنقل رمزُ الرؤيا إلى معناه؟ وهل لذلك أصولٌ مضبوطة؟
- كيف كان النبيُّ ﷺ وأصحابُه يُعبّرون الرؤيا؟ وهل يُخطئ المعبّر؟
- ما الذي يحتاجه المعبّر ليعبّر؟ ومن أين يبدأ: من المعاني الحسنة أم السيّئة؟
- هل هناك فرقٌ بين تفسير الرؤيا وتأويلها وتعبيرها؟ وما الوصف الذي يصحّ أن يطلقه من يشتغل بالأحلام على نفسه؟
- هل تنقسم الأحلام إلى قصيرةٍ وطويلة، فيُطلَب تعبيرُ القصيرة دون غيرها؟
- ما المعنى الدقيق لحديث «الرؤيا على رِجْل طائر، فإن عُبِّرت وقعت»؟ وهل يدخل فيه من فسّر الحلم وهو لا علم له بتأويل الرؤى؟
- رأيتُ رؤًى كثيرة وفُسِّرت لي وفيها رموزٌ مبشِّرة، فلماذا لم يتحقّق منها شيء على أرض الواقع؟
- رأيتُ دخاناً في منامي، فلماذا يمتنع المعبِّر عن تعبيرها ويطلب منّي الاحتراز؟
- هل من رأى نفسه يشرب اللبن في المنام يموت على الفطرة؟ وهل رمزُ اللبن دائماً بشارة؟
- سألتُ عن معنى المطر والثلج والسيل في المنام فلم يُعطَ لي معنى كلِّ رمزٍ على حدة — فهل لكلِّ رمزٍ دلالةٌ مفردةٌ يصحّ أن يُسأل عنها وحدها؟
- تغيّر ذوقُ الناس فصار ما يُستقبَح قديماً محبوباً اليوم — فهل أعتمد في تعبير الرؤيا على ما تغيّر في زماننا، أم على ما هو مسطورٌ في كتب التعبير؟
- هل يصحّ أن يستعمل المعبِّرُ تعبيرَ الرؤيا في نصح صاحبها ووعظه، أم يقتصر على الإخبار بما تدلّ عليه؟
- سألتُ أحد مفسّري الأحلام عن رؤياي فعبَّرها لي، وأنا شاكّةٌ في تفسيره — فهل تقع الرؤيا على ما فسَّره؟
- هل معنى الرمز في المنام ثابتٌ لا يتغيّر؟ ولماذا يُفسَّر الثعبانُ والأسدُ والذئبُ بالسحر والعين على كلّ حال؟
- أرى زوجي مع الخادمة في المنام كثيراً، فهل لهذه الرؤيا تعبيرٌ أم أنّها من حالي أنا؟
- هل تؤثّر حالُ المعبِّر النفسيّة في تعبيره لرؤياي؟ ومتى أعرضها عليه؟
- سمعتُ أنّ بعض الرؤى تُعبَّر بعكس ظاهرها، فما هذا «التعبير المعكوس الخفيّ»؟ ولماذا يُعبَّر البحرُ ناراً عند من لا بحرَ في بلده؟