التعبير المعكوس الخفيّ: حين يكون البحر ناراً
سمعتُ أنّ بعض الرؤى تُعبَّر بعكس ظاهرها، فما هذا «التعبير المعكوس الخفيّ»؟ ولماذا يُعبَّر البحرُ ناراً عند من لا بحرَ في بلده؟
يقرّر هذا الدرس أنّ في التعبير المعكوس قسماً خفيّاً لا يتبيّن لكثير من الناس ولا لبعض المعبّرين. ومثاله أنّ البحر يُعبَّر ناراً في حقّ من لا بحرَ في بلده، لاقتران البحار بالتسجير في القرآن؛ وأنّ «المشتري» في المنام قد يكون بائعاً، لتبادل اللفظين في الاستعمال.
التفصيل
يفتح الشيخ في هذا الدرس باباً من أبواب التعبير المعكوس — وهو أن يُعبَّر الشيءُ بضدّه — لكنّه ينبّه ابتداءً على أنّ منه قسماً لا يظهر لأوّل نظر:
أوّلاً — «هناك قسم في التعبير المعكوس ولكنه قسم خفي لا يتبين للكثير من الناس بل لا يتبين لبعض المعبرين والمعبرات»
ثمّ ضرب المثال الأوّل: أن يرى الإنسان أنّه يسبح في البحر، فيختلف تعبيرُه باختلاف بلد الرائي:
ثانياً — «قد يكون الإنسان الذي رآه ممن يعيش عند البحر لكن قد يكون في مكان ليس عنده فيه بحار كمنطقة نجد مثلا أو منطقة الحجاز ما عندهم بحار فهذا يعبر البحر هنا بالنار» — وعدَّ ذلك «مثال على التعبير المعكوس».
وعلَّل الربطَ بين البحر والنار بنصّ القرآن:
ثالثاً — «لأن الله سبحانه وتعالى قال: والبحر المسجور وقال: وإذا البحار سجرت فهناك ربط بين البحار والتسجير أو البحار والنيران»
ثمّ ساق شاهداً عمليّاً من أخبار المعبّرين، ولم يُسمِّ في المسموع مَن ذكره:
رابعاً — «ولذلك ذكر أمثلة أنه رأى رجل يغمس رجله في بحر فقال له من عبرها له إن هذا يدل والله أعلم على أنك ستتعالج بالكي بالنار فكان ما قال»
وحكى مساءلتهم للمعبّر بعد وقوعها:
خامساً — «قالوا له: كيف عبَّرت؟ قال: البحر لهذا الإنسان البعيد عن البحار نار وتعريض بالنار، وأنا عبرتها بالشفاء.»
والمثال الثاني مأخذُه اللفظُ لا حالُ الرائي:
سادساً — «أيضا المشتري في الرؤيا قد يكون بائعا لأنه يطلق كلمة مشتري تطلق على البائع والبائع تطلق على المشتري»
ثمّ ختم بحصرهما فقال: «هذان مثالان على التعبير المعكوس الخفي».
ومأخذُ القاعدة أنّ الرمز الواحد لا يجري على وجهٍ واحد، وأنّ انقلابه إلى ضدّه قد يأتي من جهتين ظهرتا في المثالين: جهةِ حال الرائي ومكانه — فالبحرُ عند ساكن الساحل غيرُه عند من لا بحرَ في بلده — وجهةِ اللفظ نفسه إذا جرى استعمالُه في المعنى وضدّه. وإنّما كان هذا القسم خفيّاً لأنّ القلب فيه لا يُلتمس من ظاهر الصورة، بل ممّا وراءها من قرينةٍ في الرائي أو في اللغة.
الأدلّة
2 دليلوَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ
سورة الطور، الآية 6ورد في القرآنوَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ
سورة التكوير، الآية 6ورد في القرآن
فماذا تفعل؟
- قبل أن تُعبِّر البحرَ في منام، اسأل عن بلد الرائي: أمِن أهل السواحل هو أم ممّن لا بحرَ في مكانه؟ فالتعبير يختلف بذلك.
- إذا رأى مَن لا بحرَ في بلده بحراً، فاحتمِلْ فيه جانبَ النار — كيّاً أو حرارةً أو تعرّضاً لها — واقرن الحكمَ بـ«والله أعلم» كما جاء في المثال المذكور.
- تنبَّه في المنام للألفاظ التي يُطلق كلٌّ منها على صاحبه في الاستعمال، كـ«المشتري» و«البائع»، فقد يُراد أحدهما بلفظ الآخر.
- لا تجعل القلبَ أصلاً تجري عليه كلَّ رؤيا؛ فالتعبير المعكوس قسمٌ من التعبير، والخفيُّ منه قسمٌ من ذلك القسم، وإنّما يُلتمس عند قيام القرينة.
في الباب نفسه: أصول التعبير وقواعده
- على أيّ شيءٍ يبني المعبّرُ تفسيره؟ ولماذا يختلف تعبير الرمز الواحد؟
- لماذا يُخطئ المعبّر وهو يعرف معنى الرمز؟
- بأيّ طريقةٍ يُنقل رمزُ الرؤيا إلى معناه؟ وهل لذلك أصولٌ مضبوطة؟
- كيف كان النبيُّ ﷺ وأصحابُه يُعبّرون الرؤيا؟ وهل يُخطئ المعبّر؟
- ما الذي يحتاجه المعبّر ليعبّر؟ ومن أين يبدأ: من المعاني الحسنة أم السيّئة؟
- هل هناك فرقٌ بين تفسير الرؤيا وتأويلها وتعبيرها؟ وما الوصف الذي يصحّ أن يطلقه من يشتغل بالأحلام على نفسه؟
- هل تنقسم الأحلام إلى قصيرةٍ وطويلة، فيُطلَب تعبيرُ القصيرة دون غيرها؟
- ما المعنى الدقيق لحديث «الرؤيا على رِجْل طائر، فإن عُبِّرت وقعت»؟ وهل يدخل فيه من فسّر الحلم وهو لا علم له بتأويل الرؤى؟
- رأيتُ رؤًى كثيرة وفُسِّرت لي وفيها رموزٌ مبشِّرة، فلماذا لم يتحقّق منها شيء على أرض الواقع؟
- رأيتُ دخاناً في منامي، فلماذا يمتنع المعبِّر عن تعبيرها ويطلب منّي الاحتراز؟
- هل من رأى نفسه يشرب اللبن في المنام يموت على الفطرة؟ وهل رمزُ اللبن دائماً بشارة؟
- سألتُ عن معنى المطر والثلج والسيل في المنام فلم يُعطَ لي معنى كلِّ رمزٍ على حدة — فهل لكلِّ رمزٍ دلالةٌ مفردةٌ يصحّ أن يُسأل عنها وحدها؟
- تغيّر ذوقُ الناس فصار ما يُستقبَح قديماً محبوباً اليوم — فهل أعتمد في تعبير الرؤيا على ما تغيّر في زماننا، أم على ما هو مسطورٌ في كتب التعبير؟
- هل يصحّ أن يستعمل المعبِّرُ تعبيرَ الرؤيا في نصح صاحبها ووعظه، أم يقتصر على الإخبار بما تدلّ عليه؟
- سألتُ أحد مفسّري الأحلام عن رؤياي فعبَّرها لي، وأنا شاكّةٌ في تفسيره — فهل تقع الرؤيا على ما فسَّره؟
- ما دلالة الأشكال الهندسيّة في المنام كالدائرة والخطّ المستقيم والمربّع؟ وكيف يستخرج المعبِّر معانيها؟
- هل معنى الرمز في المنام ثابتٌ لا يتغيّر؟ ولماذا يُفسَّر الثعبانُ والأسدُ والذئبُ بالسحر والعين على كلّ حال؟
- أرى زوجي مع الخادمة في المنام كثيراً، فهل لهذه الرؤيا تعبيرٌ أم أنّها من حالي أنا؟
- هل تؤثّر حالُ المعبِّر النفسيّة في تعبيره لرؤياي؟ ومتى أعرضها عليه؟