كتبُ التعبير كتبها أناسٌ في زمنهم: هل يُعبَّر الرمزُ بعُرف اليوم؟
تغيّر ذوقُ الناس فصار ما يُستقبَح قديماً محبوباً اليوم — فهل أعتمد في تعبير الرؤيا على ما تغيّر في زماننا، أم على ما هو مسطورٌ في كتب التعبير؟
سُئل الدكتور فهد العصيمي: أيُعبَّر الرمزُ كما في الكتب أم كما تبدّل في زماننا؟ فقرّر أنّ معاني الكتب كتبها أناسٌ في زمنهم، ولا يجدر بالمعبّر أن يعتمدها أساساً في القرن الحادي والعشرين، وأنّ الرمز الواحد — كالشفتين — له وجوهٌ كثيرة: أخٌ يُستعان به، وصحّةٌ، ومهنةٌ، وذكرٌ لله؛ على ألّا يُطلق حكمُ العُرف على الناس كافّةً.
التفصيل
وردت إلى المفسّر رسالةُ سائلةٍ تسأل عن اختلاف دلالات الرموز بين ما هو مسطورٌ في الكتب وما تراه في واقعها، فقالت: «يا دكتور أحيانا أفكر هل اختلاف دلالات الرموز في الكتب وفي واقعنا له دخل بالزمن وتغير الأحوال؟»، ومثّلت لذلك بالشفاه فقالت: «أول كان الإعجاب للشفاه الصغيرة، وكما يسمونها قديما يصفون صاحبتها بأنها خاتم سليمان علشان كذا كانت الشفاه الرقيقة تعبر عن الفصاحة والهداية عندهم في النوم والحين صارت الكبيرة هي الجمال والعالم مجتهدة في النفخ فيها صار كبرها في الرؤية رمز لما هو جميل وطيب». وعقّب المفسّر متبرّئاً من عهدة هذا التمثيل فقال: «طبعا أنا هذا الكلام أقوله على ذمة صاحبته، وإلا فالشفاه ليس كل الناس هذه هي وجهة نظره» — وقد ورد آخرُ هذه الجملة مضطرباً في التفريغ فنُقل كما جاء دون إصلاح.
ثمّ ختمت السائلةُ رسالتها بموضع الإشكال: «يعني هل أعتمد في التعبير على التغير الحاصل في زمننا هذا؟ أو أعتمد على ما يوجد في الكتب»، فاستحسن المفسّر السؤال وجعله مدخلاً إلى الدرس، فقال: «أنا أقول السؤال هذا جيد وهذا يجعلني أتكلم على المعاني التي في الكتب».
ثمّ قرّر منزلة كتب التعبير من المعبِّر المعاصر:
(١) «فالمعاني التي في الكتب كتبها أناس في زمنهم ولا يجدر بالمعبر أن يعتمدها أساسا في هذا العصر العصر الواحد والعشرين القرن الواحد والعشرين»
ثمّ نبّه إلى أنّ حصر الرمز في وجهٍ واحدٍ خللٌ في أصل الصنعة، فقال:
(٢) «الشفتين لها معاني كثيرة وليس معناها فقط الكبر والصغر أيها السائلة» — وهكذا وردت المناداة في التفريغ.
ثمّ عدّد وجوه الرمز؛ فمنها العَون بالأخ أو الصاحب:
(٣) «فمن معانيها أن يكون لك أخ أو صديق تستعين به في قضاء حاجتك ولذلك نبي الله موسى قال عن أخي هارون: وأخي هارون هو أفصح مني لسانا واللسان من ما يعضد الشفتين»
ومنها العافية والمرض:
(٤) «أيضا من معانيها الشفاء من المرض، ألست يا معبر ويا معبِّرة ترى الطبيب وهو ينظر إلى لسان الإنسان دائماً وهو يحكم من خلال لسانه على صحته فالشفتين وما فيهما من نقص أو عيب قد يكون مؤشرا على صحة هذا الإنسان»
ومنها المهنة إذا كان الرائي ممّن تتعلّق حرفتُه بها:
(٥) «الشفتين بالنسبة لمن يستعمل شف- شفتيه في أداء مهنته وأعطيكم مثال مزينة النساء مثلا دائما مالها شغل إلا تزيين الشفايف طبيب عمليات التجميل اللي يزين الشفتين عازف الناي عازف الناي أو ما يسمى بالبوص، هذا أيضا هنا الشفتين تكون من معانيها المهنة فما يعتري الشفتين في المنام قد يكون له علاقة بمهنة هذا الإنسان»
ومنها ذكرُ الله لمن عُرف به:
(٦) «الرجال الذي يخاف الله ودائما ما شاء الله لا قوة إلا بالله في المسجد حتى يطلق الناس عليه يقولون حمامة مسجد الشفتين هذه لها رمز التسبيح والتهليل أليس الرسول عليه الصلاة والسلام يقول لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله؟ فهي تدل على كثرة التسبيح إذا رأى الإنسان تحسن في شفتيه فهي تدل على هذا، وإذا رأى عيبا في الشفتين قد تدل على فتور في العبادة»
ثمّ عاد إلى صلب السؤال فأنزل القاعدة على المثال الذي ضربته السائلة:
(٧) «فكان رقة الشفاه قديما مؤشر جيد قد لا يعتد به الان اذا لكون الغلظه الان هي المؤشر الجيد فالدلاله هنا تختلف وهذا يجب ان يلاحظ من المعبرين والمعبرات» — وقد ورد هذا الموضع في التفريغ بغير همزاتٍ فنُقل بلفظه كما هو.
ثمّ قيّد القاعدة بألّا تُطلق على كلّ أحد:
(٨) «لكن اقول هذا الكلام ليس على اطلاقه فليس كل الناس يقتنع»
وينقطع التسجيل بعد ذلك في أثناء الجملة عند قوله: «الاتجاه السائد عند بعض الفنانين أو الفنانات»، فلم يتمّ تقييدُ القاعدة في المسموع.
مأخذُ القاعدة: جعل المفسّرُ كتبَ التعبير مادّةً لا حَكَماً؛ لأنّ مصنّفيها إنّما رصدوا دلالاتٍ تواضع عليها أهلُ زمانهم، والرمزُ إنّما يدلّ بما عُلِّق به في نفوس الناس. فإذا انتقل العُرف — كما انتقل الحُسنُ في الشفاه من الرقّة إلى الغِلَظ — انتقلت معه الدلالة، فصار المؤشّرُ الحسنُ قديماً غيرَ معتدٍّ به اليوم. وضمّ إلى ذلك أصلاً ثانياً: أنّ الرمز الواحد ذو وجوه، فلا يُقتصر فيه على الوجه الظاهر (الكِبَر والصِّغَر) دون سائر وجوهه؛ والمرجّحُ بينها حالُ الرائي وديانتُه ومهنتُه. ثمّ أصلاً ثالثاً يمنع من الغلوّ في الأوّل: أنّ العُرف السائد ليس حكماً على كلّ أحد، فمن الناس من لا يقتنع به، فالمدارُ على عُرف الرائي نفسه لا على الشائع وحده.
الأدلّة
2 دليلوَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا
سورة القصص، الآية 34ورد في القرآنلا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله
رواه الترمذي (3375) وابن ماجه (3793) عن عبد الله بن بُسر رضي الله عنه، وصححه الألبانيحديث صحيح
فماذا تفعل؟
- لا تُنزِل عبارةَ الكتاب على الرائي قبل أن تسأله عن موقع هذا الأمر في عُرفه هو اليوم؛ فالكتابُ مادّةٌ تُستأنس بها لا حَكَمٌ يُقضى به.
- افتح للرمز وجوهَه كلَّها قبل أن تختار وجهاً؛ فالشفتان — على ما ذكر — تحتمل الأخَ المعين، والصحّةَ والمرض، والمهنة، وذكرَ الله.
- رجّح بين الوجوه بحال الرائي: أهو ممّن تتعلّق حرفتُه بالرمز؟ أهو معروفٌ بالعبادة؟ أهو شاكٍ من علّة؟
- إذا تبدّل العُرف فتبدّلت الدلالة: ما كان مؤشّراً حسناً قديماً قد لا يُعتدّ به الآن، والعكس.
- ولا تُطلِق حكمَ العُرف السائد على الناس كافّةً؛ فليس كلُّ أحدٍ يقتنع به، والعبرةُ بعُرف صاحب الرؤيا.
في الباب نفسه: أصول التعبير وقواعده
- على أيّ شيءٍ يبني المعبّرُ تفسيره؟ ولماذا يختلف تعبير الرمز الواحد؟
- لماذا يُخطئ المعبّر وهو يعرف معنى الرمز؟
- بأيّ طريقةٍ يُنقل رمزُ الرؤيا إلى معناه؟ وهل لذلك أصولٌ مضبوطة؟
- كيف كان النبيُّ ﷺ وأصحابُه يُعبّرون الرؤيا؟ وهل يُخطئ المعبّر؟
- ما الذي يحتاجه المعبّر ليعبّر؟ ومن أين يبدأ: من المعاني الحسنة أم السيّئة؟
- هل هناك فرقٌ بين تفسير الرؤيا وتأويلها وتعبيرها؟ وما الوصف الذي يصحّ أن يطلقه من يشتغل بالأحلام على نفسه؟
- هل تنقسم الأحلام إلى قصيرةٍ وطويلة، فيُطلَب تعبيرُ القصيرة دون غيرها؟
- ما المعنى الدقيق لحديث «الرؤيا على رِجْل طائر، فإن عُبِّرت وقعت»؟ وهل يدخل فيه من فسّر الحلم وهو لا علم له بتأويل الرؤى؟
- رأيتُ رؤًى كثيرة وفُسِّرت لي وفيها رموزٌ مبشِّرة، فلماذا لم يتحقّق منها شيء على أرض الواقع؟
- رأيتُ دخاناً في منامي، فلماذا يمتنع المعبِّر عن تعبيرها ويطلب منّي الاحتراز؟
- هل من رأى نفسه يشرب اللبن في المنام يموت على الفطرة؟ وهل رمزُ اللبن دائماً بشارة؟
- سألتُ عن معنى المطر والثلج والسيل في المنام فلم يُعطَ لي معنى كلِّ رمزٍ على حدة — فهل لكلِّ رمزٍ دلالةٌ مفردةٌ يصحّ أن يُسأل عنها وحدها؟
- هل يصحّ أن يستعمل المعبِّرُ تعبيرَ الرؤيا في نصح صاحبها ووعظه، أم يقتصر على الإخبار بما تدلّ عليه؟
- سألتُ أحد مفسّري الأحلام عن رؤياي فعبَّرها لي، وأنا شاكّةٌ في تفسيره — فهل تقع الرؤيا على ما فسَّره؟
- ما دلالة الأشكال الهندسيّة في المنام كالدائرة والخطّ المستقيم والمربّع؟ وكيف يستخرج المعبِّر معانيها؟
- هل معنى الرمز في المنام ثابتٌ لا يتغيّر؟ ولماذا يُفسَّر الثعبانُ والأسدُ والذئبُ بالسحر والعين على كلّ حال؟
- أرى زوجي مع الخادمة في المنام كثيراً، فهل لهذه الرؤيا تعبيرٌ أم أنّها من حالي أنا؟
- هل تؤثّر حالُ المعبِّر النفسيّة في تعبيره لرؤياي؟ ومتى أعرضها عليه؟
- سمعتُ أنّ بعض الرؤى تُعبَّر بعكس ظاهرها، فما هذا «التعبير المعكوس الخفيّ»؟ ولماذا يُعبَّر البحرُ ناراً عند من لا بحرَ في بلده؟