لماذا لا تتحقّق الرؤيا المبشِّرة؟
رأيتُ رؤًى كثيرة وفُسِّرت لي وفيها رموزٌ مبشِّرة، فلماذا لم يتحقّق منها شيء على أرض الواقع؟
يقرّر الدكتور فهد العصيمي أنّ الرؤيا المبشِّرة لا يلزم وقوعها في الدنيا؛ فقد يدّخر الله جزاءها للآخرة كما في رؤية ليلة القدر، وقد يتأخّر أثرها لأنّ أوانها لم يحن، وقد يُحرَم صاحبها باستعجاله أو بذنبه، وقد لا يكون ما رآه رؤيا أصلاً بل حديثَ نفسٍ من كثرة تعلّقه به.
التفصيل
افتتح الدكتور فهد العصيمي الحلقة بالسؤال الذي بُنِيَت عليه، فقال: «يتساءل البعض عن عدم تحقق رؤاه مع أنه شاهد كثيرا من الرؤى وفسرت له ومعظمها يدل ويوجد فيه الكثير من الرموز المبشرة فما هو السر في عدم تحقق الرؤية؟». ولم تكن الحلقة تعبيرَ رؤيا لأحد، بل درساً في حكم وقوع الرؤيا المبشِّرة وفي أسباب تخلّفها أو تأخّرها.
فقرّر أوّلاً أنّ الوقوع في الدنيا ليس لازماً:
(١) «ليس بالضرورة أن الرؤى تتحقق على أرض الواقع».
(٢) «ليست كل رؤية ونحن نجزم أنها رؤية مبشرة أنها لابد أن تتحقق فالرؤيا قد لا تتحقق أبدا».
واستدلّ لذلك برؤية ليلة القدر؛ فذكر أنّ الصحابة رضي الله عنهم «شاهدوا تحديد ليلة القدر في المنام»، وأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم شاهد ذلك في المنام كذلك، ثمّ قال: (٣) «بل إنه أخبر أنه سيخرج ويخبر الصحابة في ليلة القدر متى هي فتلاحى فلان وفلان عنده وقد نسيها أو أنسيها»، وساق لفظ الحديث هكذا: (٤) «كنت قد خرجت لأخبركم متى ليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فأنسيتها ولعله خير أريد بكم»، ثمّ خلص إلى قوله: (٥) «مات الرسول صلى الله عليه وسلم وهو لم يحدد ليلة القدر».
وبنى على ذلك أنّ العوض قد يكون في الآخرة، فقال: (٦) «فقد يموت الإنسان وهو لم يراها» … «فالله يدخرها له في الآخرة فيؤتيه إن شاء الله تعالى في الآخرة الجزاء على صبره و يعطيه مثيلا لها في الآخرة».
ثمّ عدّد بقيّة الأسباب؛ فمنها أنّ الأوان لم يحن: (٧) «قد تكون عدم تحقق الرؤى أو تأخرها أنه لم يحن أوانها بعد فلم يحن أوان النجاح، ولم يحن أوان الوظيفة، الترقية، الزواج التجارة والغنى لم يحن أوانه بعد».
ومنها الاستعجال: (٨) «السبب الثالث لعدم تحقق الرؤى أو تأخر وقوعها استعجال الإنسان»، وقرن به قول القائل: (٩) «ويقول بعض الناس دعوت فلم يستجب لي»، وذكر أنّ للذنب أثراً في الحرمان فقال: (١٠) «فالرسول أخبر أن الإنسان قد يُحرم الرزق بالذنب يصيبه».
ومنها أن يكون المرئيّ ليس رؤيا أصلاً: (١١) «من الأسباب الأخرى التي تجعل الرؤى لا تتحقق أن ما رآه الإنسان ليس برؤية وإنما هو من تفكيره». وجاء بعد ذلك لفظٌ مضطربٌ في التفريغ لم يتبيّن، فنُقل كما ورد: (١٢) «ومن كثرة بتحفزه رغبته بهذا الشيء و... تكرره عنده من كثرة تعلقه به» — والنقاط الواردة داخل هذا الاقتباس من التفريغ نفسه لا من الاختصار — ثمّ ختم هذا الوجه بقوله: (١٣) «وليست برؤية فظن أنها رؤية».
ثمّ لخّص الدرس فقال: (١٤) «خلاصة الكلام أن الرؤية قد قد تتحقق في الدنيا وقد لا تتحقق مطلقا وقد يدخرها الله عنده لك في الآخرة ويدخر ثوابها في الآخرة لك» — وتكرار لفظ «قد» فيه على ما جاء في التفريغ — وأوصى صاحبَ الرؤيا: (١٥) «لذلك لا تحزن ولا تبتأس عندما ترى أن رآك لا تتحقق وابحث عن السبب»، وقوله «أن رآك» كذا ورد في التفريغ. ثمّ قال: (١٦) «فقد يكون لذنوبك سبب»، وختم بقوله: (١٧) «فحاول أن تحسن علاقتك بخالقك تحسن التوكل عليه وتبشر إن شاء الله تعالى بما تتمناه وما تدعو به بإذنه تعالى».
ومأخذ القاعدة من مجموع كلامه: أنّ البشارة في المنام خبرُ خيرٍ لا عقدٌ على وقتٍ ولا على صورة؛ فالرؤيا الصادقة قد تقع في الدنيا، وقد يُدَّخر جزاؤها للآخرة كما وقع في رؤية ليلة القدر، وقد يتأخّر أثرها لأنّ أوانها لم يحن، وقد يُحرَم صاحبها باستعجاله أو بذنبه، وقد لا يكون ما رآه رؤيا أصلاً بل حديثَ نفسٍ من فرط تفكيره وتعلّقه. فلا يُنقض التعبير بمجرّد تأخّر الأثر، ولا يُبنى على البشارة استعجالٌ ولا قنوط.
الأدلّة
3 دليلخرجتُ لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلانٌ وفلان، فرُفِعت، وعسى أن يكون خيراً لكم، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة.
صحيح البخاري (٤٩)، من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه.حديث صحيحيُستجاب لأحدكم ما لم يَعجل، يقول: دعوتُ فلم يُستجب لي.
متفق عليه: صحيح البخاري (٦٣٤٠)، وصحيح مسلم (٢٧٣٥)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.حديث صحيحلا يزيد في العمر إلا البِرّ، ولا يردّ القدر إلا الدعاء، وإنّ الرجل ليُحرَم الرزق بالذنب يصيبه.
سنن ابن ماجه (٤٠٢٢)، ومسند أحمد، من حديث ثوبان رضي الله عنه؛ حسّنه بعض أهل العلم وضعّفه آخرون لأجل إسناده.مختلف في صحته
فماذا تفعل؟
إذا بُشِّرت في تعبير رؤياك ثمّ تأخّر أثرها أو لم تقع:
- لا تجعل تأخّر الوقوع دليلاً على خطأ التعبير؛ فالرؤيا الصادقة قد لا تقع في الدنيا أصلاً.
- اصبر على الأوان؛ فقد لا يكون أوان النجاح أو الوظيفة أو الزواج أو الرزق قد حان بعدُ.
- احذر الاستعجال وقول «دعوتُ فلم يُستجب لي»، فهو مسلكٌ يُخشى معه الحرمان.
- أصلح ما بينك وبين الله؛ فالذنب سببٌ في حرمان الرزق.
- راجع نفسك: هل كان ما رأيته رؤيا حقاً، أم حديثَ نفسٍ نشأ من كثرة تفكيرك في الأمر وتعلّقك به؟
- احتسب الأجر إن لم تقع، واسأل الله أن يُعطيك مثيلها ويدّخر لك ثوابها في الآخرة.
في الباب نفسه: أصول التعبير وقواعده
- على أيّ شيءٍ يبني المعبّرُ تفسيره؟ ولماذا يختلف تعبير الرمز الواحد؟
- لماذا يُخطئ المعبّر وهو يعرف معنى الرمز؟
- بأيّ طريقةٍ يُنقل رمزُ الرؤيا إلى معناه؟ وهل لذلك أصولٌ مضبوطة؟
- كيف كان النبيُّ ﷺ وأصحابُه يُعبّرون الرؤيا؟ وهل يُخطئ المعبّر؟
- ما الذي يحتاجه المعبّر ليعبّر؟ ومن أين يبدأ: من المعاني الحسنة أم السيّئة؟
- هل هناك فرقٌ بين تفسير الرؤيا وتأويلها وتعبيرها؟ وما الوصف الذي يصحّ أن يطلقه من يشتغل بالأحلام على نفسه؟
- هل تنقسم الأحلام إلى قصيرةٍ وطويلة، فيُطلَب تعبيرُ القصيرة دون غيرها؟
- ما المعنى الدقيق لحديث «الرؤيا على رِجْل طائر، فإن عُبِّرت وقعت»؟ وهل يدخل فيه من فسّر الحلم وهو لا علم له بتأويل الرؤى؟
- رأيتُ دخاناً في منامي، فلماذا يمتنع المعبِّر عن تعبيرها ويطلب منّي الاحتراز؟
- هل من رأى نفسه يشرب اللبن في المنام يموت على الفطرة؟ وهل رمزُ اللبن دائماً بشارة؟
- سألتُ عن معنى المطر والثلج والسيل في المنام فلم يُعطَ لي معنى كلِّ رمزٍ على حدة — فهل لكلِّ رمزٍ دلالةٌ مفردةٌ يصحّ أن يُسأل عنها وحدها؟
- تغيّر ذوقُ الناس فصار ما يُستقبَح قديماً محبوباً اليوم — فهل أعتمد في تعبير الرؤيا على ما تغيّر في زماننا، أم على ما هو مسطورٌ في كتب التعبير؟
- هل يصحّ أن يستعمل المعبِّرُ تعبيرَ الرؤيا في نصح صاحبها ووعظه، أم يقتصر على الإخبار بما تدلّ عليه؟
- سألتُ أحد مفسّري الأحلام عن رؤياي فعبَّرها لي، وأنا شاكّةٌ في تفسيره — فهل تقع الرؤيا على ما فسَّره؟
- ما دلالة الأشكال الهندسيّة في المنام كالدائرة والخطّ المستقيم والمربّع؟ وكيف يستخرج المعبِّر معانيها؟
- هل معنى الرمز في المنام ثابتٌ لا يتغيّر؟ ولماذا يُفسَّر الثعبانُ والأسدُ والذئبُ بالسحر والعين على كلّ حال؟
- أرى زوجي مع الخادمة في المنام كثيراً، فهل لهذه الرؤيا تعبيرٌ أم أنّها من حالي أنا؟
- هل تؤثّر حالُ المعبِّر النفسيّة في تعبيره لرؤياي؟ ومتى أعرضها عليه؟
- سمعتُ أنّ بعض الرؤى تُعبَّر بعكس ظاهرها، فما هذا «التعبير المعكوس الخفيّ»؟ ولماذا يُعبَّر البحرُ ناراً عند من لا بحرَ في بلده؟