تفسير الأحلام.نت
أحكامٌ ومحاذير

«الناس البسطاء لا يرون الرؤى العامة» — دعوى الرؤيا العامّة على البلد وتوظيفُها

يكتب أحدُهم في وسائل التواصل: عندي رؤيا عامّة عن البلد، ويطلب من يفسّرها له بمعنًى عامّ — فهل يصحّ لمثله أن يدّعي ذلك؟ ومن الذي يرى الرؤى العامّة أصلاً؟

في لقاءٍ تلفزيونيٍّ سُئل د. فهد العصيمي عن آداب المفسّر، فخصَّ بالذكر من يُلحُّ عليه قائلاً «انا عندي رؤية عامة»، وقرّر أنّ «الناس البسطاء لا يرون الرؤى العامة»، وإنّما «يراها الملك، الوزير الأمير صاحب المنصب العالي»؛ ونهى عن نسج هالةٍ على النفس بادّعائها، وعن رؤىً «تهافت عليها الناس وحملها الركبان» فأحزنت بلداً، ووصف تعبير الرؤى الموظَّف على الدول بأنّه «محزن».

التفصيل

سياقُ المسألة لقاءٌ تلفزيونيٌّ استُضيف فيه د. فهد بن سعود العصيمي من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميّة، فسُئل في أثنائه عن آداب من يتصدّى للتعبير: «طيب في يا دكتور في آداب يفترض أن المفسر يمشي عليها». فبدأ بما سمّاه «أهم أدب أؤكد عليه دائما»، وهو «التفاؤل والتبشير والبحث عن المعنى الأوفق والأرفق بهذا الإنسان الذي جاء وسألك» و«لا تفزع أحدا»، ثمّ خصَّ بالذكر صنفاً من السائلين وقف عنده وقفةً طويلة: «خاصة لما يجيك واحد يقول انا عندي رؤية عامة يقعد يبلشك ويصيح عليك في السوشيال ميديا وفي التلفون و لا يخلي مكان ما يرسل لك فيه مرسول».

ثمّ قرّر القاعدةَ في أربعة مواضعَ متتابعة:

الأوّل — من تقع له الرؤيا العامّة: «الرؤى العامة ليست التي تراها، الناس البسطاء لا يرون الرؤى العامة، الرؤى العامة يراها الملك، الوزير الأمير صاحب المنصب العالي».

الثاني — الحالُ التي صرّح بأنّه يحاربها: «أما الناس البسطاء عندما يجيك ويبليك ويقول لك أنا رأيت رؤية عامة وفسروها لي بمعنى عام على البلد ويخذرف هذا من أشد الأشياء التي أنا أحاربها أطروحاتي إن صدقت هذه العبارة في وسائل السوشيال ميديا حالياً» — وقد نُقل اللفظُ كما ورد في التسجيل؛ وفي كلمة «ويخذرف» وفي قوله «أطروحاتي إن صدقت هذه العبارة» اضطرابٌ ظاهرٌ لم أُقوِّمه ولم أبنِ عليه معنًى زائداً.

الثالث — النهيُ عن نسج الهالة على النفس: «لا تستعجلوا في أنكم تظنون وتنسجون على أنفسكم هالة أنكم أنتم ترون الرؤى العامة».

الرابع — شاهدُ الواقع والحكمُ عليه: «كم سمعنا عن رؤى عامة أحزنت بلد من شخص و... تهافت عليها الناس وحملها الركبان وانتشرت وقالوا يحصل في البلد الفلاني كذا وفي البلد الفلاني كذا و هذا كله غير صحيح» — والنقاطُ الواقعةُ في وسط هذا اللفظ من التفريغ نفسه لانقطاعٍ في الصوت عنده، وليست حذفاً منّي.

ثمّ عاد السؤالُ في ختام اللقاء إلى الشقّ الآخر من المسألة — لا الرائي المدّعي بل المعبِّر المتلقِّف: «هناك بعض الأشخاص يقومون بتفسير الرؤى على تفسير رؤى تخص الدول. ما رأيك بهذا التفسير؟» فكان جوابُه: «هذا شيء محزن محزن محزن و في ناس معينين دأبوا على استجلاب الأصوات و الأموال من خلال الدخول في هذا المسلك بل حذرت ووقفت أمام ناس معينين».

ثمّ جعل المتضرِّرَ في هذا الباب هو الرائيَ البسيط نفسه: «وكذلك الحالم قد يكون الناس بسطاء يا رجل و لا يدرون فيذهب إلى هذا الشخص الذي يوظفها توظيفا سياسيا ويقعد يلعب بالناس». وجاء في التفريغ بين هذين الموضعين قولٌ لا يتبيّن من التسجيل أهو من كلام السائل أم من كلام الضيف — إذ التفريغُ بلا تمييزٍ للمتكلّمين — ونصُّه: «نقدر نقول لكل مقام مقالاً، حتى في الأحلام، يجب أن يكون المفسر عالماً متى يتوقف ومتى يتكلم ؟» فلم أنسبه إلى أحدهما ولم أبنِ عليه شيئاً.

ومأخذُ القاعدة من مجموع كلامه: أنّ العمومَ في الرؤيا وصفٌ يتبع مقامَ الرائي لا مجرّدَ ما ذُكر فيها من بلدٍ أو حادثة؛ فتُنسب العمومُ إلى من يلي أمرَ الناس — «الملك، الوزير الأمير صاحب المنصب العالي» — لأنّ مدارَ الرؤيا على حال صاحبها ودائرةِ ما يليه، وأمّا من لا ولايةَ له فمنامُه على نفسه ومحيطه. وعلى هذا فدعوى العامّيِّ أنّ رؤياه عامّةٌ على البلد داخلةٌ عنده في بابين: بابِ الدعوى على النفس — «تنسجون على أنفسكم هالة» — وبابِ الضرر المتعدّي، فإنّ الخبر إذا خرج «تهافت عليها الناس وحملها الركبان» حتّى «أحزنت بلد» بما هو في نفس الأمر «غير صحيح». وأمّا من يتلقّف هذه الرؤى فيوظّفها، فقد أنزله منزلةَ من يستجلب «الأصوات و الأموال» بدعوى الغيب، ووصف صنيعَه بأنّه «يلعب بالناس». ولم يسُق في هذا الموضع نصّاً بعينه، وإنّما بنى المنعَ على تحديد من تقع له الرؤيا العامّة، وعلى ما شاهده من أثر نشرها في الناس.

فماذا تفعل؟

  • إن رأيتَ مناماً ولستَ ذا ولايةٍ على الناس فاقصره على نفسك ومحيطك، ولا تُخرِجه على أنّه «رؤيا عامة» على البلد.
  • لا تنسج على نفسك هالةً بدعوى أنّك ترى الرؤى العامّة؛ فقد جعل هذا من أشدّ ما يحاربه في وسائل التواصل.
  • إذا بلغك منشورٌ يزعم رؤيا عامّةً عن بلدٍ فلا تتهافت عليه ولا تنقله؛ فمن هذا الجنس ما «تهافت عليها الناس وحملها الركبان» ثمّ كان «هذا كله غير صحيح».
  • لا تعرض رؤياك على من يوظّف الرؤى سياسيّاً أو يجعلها بابَ متابعاتٍ وأموال.
  • وإن كنتَ معبّراً فلا تدخل هذا المسلك أصلاً؛ فقد وصفه بأنّه «محزن» وذكر أنّه حذّر منه ووقف أمام من دخله.

في الباب نفسه: أحكامٌ ومحاذير