تحديدُ ليلة القدر بالرؤى: «هذا ظن ولا يرقى إلى درجة القطع»
كلَّ رمضان أسمع من يقول: رأيتُ في المنام أنّ ليلة القدر ليلةُ كذا — فهل تُعرَف ليلةُ القدر بالرؤى؟ وهل أخصُّ تلك الليلة بالقيام وأدع سائرَ العشر؟
درسٌ لد. فهد العصيمي في تحديد ليلة القدر بالمنام: النبيُّ ﷺ مات ولم يخبر بها، والعلماءُ استنبطوا أنّها منتقلةٌ من سنةٍ إلى أخرى، وقد يُهدَى إليها بعضُهم بعلامةِ يقظةٍ أو برؤيا. ورجّح في تلك السنة ليلةَ 25 بعلامةٍ لا برؤيا، ثمّ حدّ الأمر: «هذا ظن ولا يرقى إلى درجة القطع»، وأوصى: «فاجتهدوا في العشر لا تخلوا ليلة من ليالي العشر إلا تجتهدون فيها».
التفصيل
حلقةٌ رمضانيّةٌ قصيرةٌ لا يُعرَض فيها متنُ رؤيا ولا يُعبَّر فيها لمتّصل؛ افتتحها د. فهد العصيمي بالمسألة التي تتكرّر عليه كلَّ عام فقال: «كل سنة يتكرر في شهر رمضان حديثا عن ليلة القدر وترائيها ومتاهيب» — وكلمةُ «ومتاهيب» جاءت هكذا في التفريغ ولم يتبيّن وجهُها، فنُقلت كما وردت.
ثمّ صدّر الجوابَ بأصلٍ قال إنّه يعيده كلَّ سنة: (١) «وأقول دائما وأكرر أن الرسول عليه الصلاة والسلام مات وهو لم يخبر الصحابة بليلة القدر»، وساق سببَ ذلك من حديث التلاحي بلفظه: (٢) «كنت خرجت لأخبركم بليلة القدر متى هي فتلاحى فلان وفلان فأنسيتها ولعله خير أريد بكم».
وذكر أنّ المسألة كانت شاغلةً للصحابة وأنّهم كانوا يعرضون فيها رؤاهم: (٣) «وكان كل واحد منهم يأتي الرسول يقول: رأيت يا رسول الله ليلة القدر فيه يوم كذا، وواحد يقول فيه يوم كذا»، وأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم نفسه رأى فيها: (٤) «والرسول نفسه عليه الصلاة والسلام رأى عدة رؤى ومنها أنه قال: رأيت أنني أسجد في صبيحتها بماء وطين فكانت تلك السنة في ليلة الواحد والعشرين».
وبنى على مجموع هذه النصوص أنّ الليلة غيرُ ثابتةٍ في موضعٍ واحد: (٥) «الخلاصة أن العلماء من خلال هذه النصوص ومن خلال تحليلها استنبطوا أن ليلة القدر متغيرة وأنها متحولة وأنها منتقلة تنتقل من سنة إلى أخرى»، (٦) «فمرة تكون في ليلة 21 ومرة في 23 ومرة 27 ومرة 25 و25 وهكذا دواليك» — وتكرارُ «25» في هذا الموضع على ما جاء في التفريغ.
ثمّ انتقل إلى طريق العلم بها؛ فذكر حديث عائشة: (٧) «أن عائشة جاءت للرسول قالت: يا رسول الله أرأيت إن علمت ليلة القدر ماذا أقول؟ قال: قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني»، ثمّ استخرج منه أنّ ثمّ من يُوفَّق لمعرفتها: (٨) «فاستنبط العلماء أن هناك من يُهْدَى إِلَى لَيْلَةِ الْقَدْرِ مَتَى هِيَ من خلال ماذا ؟ من خلال رؤى أو من خلال علامات في الحقيقة»، وذكر من علاماتها ما جاء في الحديث: (٩) «لأن الرسول أخبر عليه الصلاة و السلام من العلامات قال إنه صبيحتها تخرج الشمس لا شعاع فيها بيضاء»، ثمّ أعاد هذا التقسيم بلفظٍ آخر: (١٠) «وعرفت من شرح من شروح هذا الحديث أن هناك من يهدى لليلة القدر ويعرفها من علامات في اليقظة أو من علامات في غير اليقظة كالرؤى».
ثمّ رجّح في تلك السنة ليلةَ الخامس والعشرين، ونصّ على أنّ مستنَده ليس رؤيا: (١١) «أنا أقول هذا الكلام ليس من خلال رؤى وإنما من خلال أشياء في الحقيقة لمستها»، وحكى العلامةَ التي عناها: (١٢) «فسبحان الله وأنا أتأمل هذا الموضوع فتحت مصحفي أبا أستأنف قراءتي أنني تقع عيني على قول الله تعالى في سورة الدخان فيها يُفرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ هذه ليلة القدر أرفع عيوني فوق ألقى الجزء الخامس والعشرين» — وفي هذا الاقتباس لفظان مضطربان في التفريغ: «أبا أستأنف» و«أنني تقع عيني»، نُقلا كما وردا ولم يُغيَّرا. ويقع بعد هذا الموضع في التفريغ قطعةٌ متلفةُ الحروف لا تُقرأ، ثمّ يستأنف الكلامُ بقوله: (١٣) «ما أدري، جاني شعور أن هذه الليلة في هذه السنة ليلة القدر والله أعلم ليلة 25 ، أنا أحددها هذه الليلة على خلاف عادتي ليس من خلال الرؤى وإنما من خلال هذه العلامة التي أنا جاءتني وحسيت بها».
وجعل الرؤى بعد ذلك مقوّيةً للظنّ لا منشئةً له: (١٤) «بعد ذلك سبحان الله لما رجعت البيت جاءتني عدة رؤى تثبت أن يعني تقوي الظن بأن ليلة القدر ليلة 25»، ثمّ عقّب بالوصيّة التي تمنع حصرَ الاجتهاد في ليلةٍ بعينها: (١٥) «فاجتهدوا في العشر لا تخلوا ليلة من ليالي العشر إلا تجتهدون فيها».
وختم بحدّ الترجيح: (١٦) «ويظهر لي أنها أكثر من غيرها في هذه السنة ترجيحاً أن تكون ليلة قدر ولكن هذا ظن ولا يرقى إلى درجة القطع»، واحتجّ بأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يقطع فيها مع تواطؤ رؤى أصحابه، فساق لفظه: (١٧) «أرى رؤاكم تواطأت في السبع الأواخر في العشر الأواخر فمن كان متحريها فليتحراها في السبع الأواخر في العشر الأواخر»، ثمّ قال: (١٨) «أن الرسول نفسه عليه الصلاة والسلام لم يقطع فيها لذلك نحن لا نجترئ ونجزم وإنما نقول هذا ظن والظن يخطئ ويصيب».
ومأخذُ القاعدة من مجموع كلامه: أنّ ليلة القدر لم تُحدَّد بنصٍّ قاطع، وأنّ العلماء استنبطوا انتقالَها من سنةٍ إلى أخرى، وأنّ ما يقع من رؤى أو علاماتٍ في تعيينها مرتبتُه الظنُّ لا القطع. فالرؤيا في هذا الباب مقوّيةٌ للترجيح لا منشئةٌ لليقين — كما جعلها هو في نفسه تابعةً لعلامةٍ سابقةٍ لا أصلاً مستقلاً — وغايةُ ما يُبنى عليها ترجيحُ ليلةٍ على غيرها، لا تخصيصُها بالقيام وتركُ سائر العشر. والحجّةُ التي ضبط بها هذا الحدَّ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم، مع تواطؤ رؤى أصحابه، لم يقطع بها بل أمر بالتحرّي — فمن دونه أولى ألّا يجزم.
الأدلّة
6 دليلخرجتُ لأخبركم بليلةِ القدر، فتلاحى فلانٌ وفلانٌ فرُفِعت، وعسى أن يكون خيراً لكم، فالتمسوها في التاسعةِ والسابعةِ والخامسة.
أخرجه البخاري في صحيحه (49) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنهحديث صحيحإني أُريتُ هذه الليلةَ ثم أُنسِيتُها، فالتمسوها في العشرِ الأواخر، والتمسوها في كلِّ وترٍ، وقد رأيتُني أسجدُ في ماءٍ وطينٍ.
أخرجه البخاري (2018) ومسلم (1167) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنهحديث صحيحأرى رؤياكم قد تواطأت في السبعِ الأواخر، فمن كان متحرِّيها فليتحرَّها في السبعِ الأواخر.
أخرجه البخاري (2015) ومسلم (1165) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهماحديث صحيحيا رسولَ الله، أرأيتَ إن وافقتُ ليلةَ القدر ما أقول فيها؟ قال: قولي: اللهم إنك عفوٌّ تحبُّ العفوَ فاعفُ عني.
أخرجه الترمذي (3513) وقال: حسنٌ صحيح، وابن ماجه (3850) من حديث عائشة رضي الله عنهاحديث صحيحوأمارتُها أن تطلعَ الشمسُ في صبيحةِ يومِها بيضاءَ لا شعاعَ لها.
أخرجه مسلم في صحيحه (762) من حديث أُبيّ بن كعب رضي الله عنهحديث صحيحفِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ
سورة الدخان: 4ورد في القرآن
فماذا تفعل؟
إذا سمعتَ من يعيّن ليلة القدر برؤيا رآها، أو رأيتَ أنت مناماً في تعيينها:
- لا تجعل المنامَ قاطعاً في التعيين؛ فغايتُه ترجيحُ ظنٍّ، وقد قال المفسّر: «ولكن هذا ظن ولا يرقى إلى درجة القطع»، و«الظن يخطئ ويصيب».
- لا تخصّ الليلةَ المرجَّحة بالقيام وتدع ما سواها؛ فوصيّتُه: «فاجتهدوا في العشر لا تخلوا ليلة من ليالي العشر إلا تجتهدون فيها».
- اعلم أنّ ما استنبطه العلماء أنّها منتقلة: «متغيرة وأنها متحولة وأنها منتقلة تنتقل من سنة إلى أخرى» — فما كان في سنةٍ قد لا يكون في التي بعدها.
- لا تلُم من رجّح ليلةً ثمّ ظهر خلافُها؛ فالترجيح لم يكن قطعاً في أصله، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم لم يقطع فيها مع تواطؤ رؤى أصحابه.
- اشتغل بما ثبت: الاجتهادُ في العشر، وتحرّي الوتر، والدعاءُ المأثور: «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني».
في الباب نفسه: أحكامٌ ومحاذير
- ما حكم من يدّعي رؤيا لم يرَها؟
- هل يجوز أن أبني على رؤيا طلاقاً أو تُهمةً أو تركَ عمل؟
- رأيتُ ميّتاً يُخبرني بشيء — هل ما يقوله حقّ؟
- هل رفضُ الفتاة للخُطّاب أو تأخّرُ الزواج دليلٌ على مسٍّ عاشقٍ أو سحر؟
- هل يصحّ أن يطلب الراقي من المريض أن يتخيّل أشخاصاً وهو مستيقظ؟
- هل يصحُّ أن يجزم لي المعبِّر بأنّ في بطني ذكراً أو أنثى اعتماداً على رؤيا؟
- هل يجوز أن أُثبت حكماً شرعيّاً بمنام؟ وإذا رأيتُ النبيَّ ﷺ في المنام يأمرني بعملٍ، هل أنفّذه؟
- والدتي مريضةٌ منذ سنين وأجرت الفحوصَ كلَّها فأكّدوا سلامتَها، وصارت تشكو كثرةَ الأحلام المفزعة، فهل نلتفت إليها ونبحث عن تفسيرها؟
- يكتب أحدُهم في وسائل التواصل: عندي رؤيا عامّة عن البلد، ويطلب من يفسّرها له بمعنًى عامّ — فهل يصحّ لمثله أن يدّعي ذلك؟ ومن الذي يرى الرؤى العامّة أصلاً؟
- قريبتي فسّرت رؤيايَ وهي تمزح، فهل يقع تفسيرُها ويُؤخذ به؟
- تعثّرتُ في دراستي وأظنّ السببَ أحلاماً أراها أو سحراً أو عيناً — فهل يزول تعثّري إذا فُسِّرت رؤاي؟
- تتكرّر عليَّ أحلامٌ تحذّرني من الخاطب المتقدّم لي وتُنفّرني منه، فهل أردّه وأمتنع عن الموافقة بسببها؟
- تتكرّر عليَّ أحلامٌ أرى فيها شريكي في علاقاتٍ محرَّمة، فهل يصحّ أن أبنيَ عليها الشكَّ فيه أو أُفارقَه؟
- تتكرّر عليَّ رؤيةُ الفئران في بيتي وعلى سريري، فقيل لي إنّ ذلك حسدٌ أو عينٌ أو سحرٌ وإنّي بحاجةٍ إلى رقية — فهل يصحّ أن أبنيَ على تكرار الرمز هذا التشخيص؟
- هل يُفسَّر الحلمُ الذي فيه احتلامٌ أو يُختم بإنزال؟ وماذا يلزم من رآه؟
- رأيتُ حلماً أفزعني، ثمّ وجدنا في حديقة بيتنا — أو في أغراض خادمةٍ سافرت — ما نظنّه سحراً؛ فهل يصحّ أن أربط بين المنام وبين هذا الذي وجدتُه وأحكم بأنّنا مسحورون؟
- أرى في منامي عذاباً ومضايقةً وصراعاً سنينَ طويلة كأنّني أعيشه حقّاً، فهل أُؤجَر على هذه المعاناة كما أُؤجَر على بلاء اليقظة؟
- لو جاءني فلانٌ في المنام وقال لي: تصدَّقْ بمبلغ كذا وكذا، فهل أتصدَّق؟
- تأتيني كلَّ ليلةٍ كوابيسُ مفزعةٌ منذ سنين وأنا محافظةٌ على آداب النوم، ثمّ جاءني هذه الأشهرَ وسواسٌ في العقيدة — فهل هو مرض؟ وما الحلّ؟
- رأيتُ حلماً مفزعاً فما استطعتُ أن أنام ولا ذهبتُ إلى الدوام — فهل أُلام على هذا الفزع؟ وماذا أصنع؟
- هل أؤجّل زواجي أو سكني أو وظيفتي أو عمليّتي حتى أرى رؤيا تُبشّرني بها؟
- هل يجب أن أُسمّي مولودي بالاسم الذي جاءني في الرؤيا؟
- تقدّم لي خاطبٌ فاستخرتُ ورأيتُ مناماً — فهل أبني موافقتي أو رفضي على تفسيره؟
- تتكرّر عليّ كلَّ ليلةٍ رؤيةُ الأسود والنمور تفترسني في غرفة نومي حتّى صرتُ أهرب من النوم — هل أطلب تعبيرها أم أذهب إلى طبيب؟
- رأيتُ في المنام زوجتي مع رجالٍ أجانب — فهل أبني على ذلك شيئاً في بيتي؟
- هل يصحّ أن أعمل بما يأمرني به النبيُّ صلى الله عليه وسلم في المنام، وهل يُثبَت حكمٌ شرعيٌّ بالرؤيا؟
- ابني مات بحادث — هل هو شهيد؟ وهل تدلّ الرؤيا على ذلك؟
- زوجي يضربني وهو نائمٌ لا يشعر — ما تفسير هذا الحلم؟
- أعاني من الكوابيس والجاثوم — ما العمل؟ وهل لفصيلة الدم أثر؟
- أرقي نفسي، فرأيتُ في منامي مَن يحبّني ويُحسن إليّ — أفيكون هو سببَ ما أصابني؟
- تتعثّر أموري وتتوالى عليّ المنامات المزعجة — أهو سحر؟
- أرقي نفسي منذ مدّةٍ وكثرت عليّ الأحلام — هل أُعبّرها؟
- أوصاني ميّتٌ في المنام بوصيّة — هل يلزمني تنفيذها؟
- استخرتُ ثمّ رأيتُ مناماً يوافق ما استخرتُ فيه — فهل هذا يقينٌ أبني عليه قراري؟
- هل أقبل الخِطبة أو أرفضها بناءً على حلمٍ رأيتُه بعد الاستخارة؟
- رأيتُ حلماً مفزعاً، فهل يُثبِت أنّني مسحورٌ أو محسود؟
- أنا مريضٌ وأرى في منامي أشخاصاً بأعيانهم، فهل أجزم أنّهم أصابوني بالعين وأقاطعهم؟