تفسير الأحلام.نت
أحكامٌ ومحاذير

«مستعجل ومتهور في قرارك هذا» — رؤيا التعرّي لا يُبنى عليها إقدامٌ على الأهل

رأى رجلٌ أختَه عاريةً في المنام، وفُسِّرت له بأنّها تزني، حتّى عزم على السفر ليضع حدّاً لها — فهل يصحّ أن يُبنى على المنام قرارٌ كهذا؟ وهل تعرّي المرأة في الرؤيا دليلٌ على الفاحشة؟

روى د. فهد العصيمي قصّةَ رجلٍ لقيه صائماً في دكّانه فأخبره أنّه «صفيت أعمالي» ليسافر «لأضع حدا لهذه الأخت» بعد أن فُسِّرت رؤيا تعرّي أخته بأنّها «تزني»؛ فسأله عن حالها: «هل هي امرأة صالحة؟ تخاف الله؟ محجبة؟» ثمّ عبَّر التعرّي بأنّها «عريانة من الذنوب» آخذاً من حديث الحجّ، وقال له: «وأنت يا أخي مستعجل ومتهور في قرارك هذا».

التفصيل

افتتح د. فهد العصيمي هذا الموضع بمواصلة كلامٍ سابقٍ له: «فأعيد أو أواصل كلامي أن أن أن الشيطان يري الإنسان مثل هذه الرؤى التي لها علاقة بخيانة الزوج أو الزوجة»، ثمّ ساق من تجربته قصّةً جعلها شاهداً على ما يجرّه التعبيرُ المتعجِّل حين يقع في بابٍ يمسُّ العِرض.

أمّا مبتدأ القصّة فقولُه: «المهم ذهبت أنا إلى هذا هذا الرجل في الدكان فوجدته صائما في يوم غير صيام رمضان يعني صيام تطوع»، ثمّ وصف حاله بعبارةٍ فيها اضطرابٌ ظاهرٌ في المسموع نقلتُها كما وردت ولم أُقوِّمها: «فأعجبت فيه يعني ماشي قلت ما شاء الله بعذر هذا الرجل ومتمسك فيه» — والكلمةُ المرسومة «بعذر» لا يتبيّن وجهُها، فلم أبنِ عليها معنًى.

الأوّل — الرؤيا والقرارُ الذي بُني عليها: قال الرجل: «أفطر وقبل إفطاره قال أنا أريد أن أسافر إلى بلدي لأنني رأيت أختي عريانة وأنا أشاهدها تهرب مني»، فاستزاده المفسّر: «قلت طيب وبعدين»، فكان الجواب: «ففسرت هذه الرؤيا بأنها تزني وأنها على علاقة برجل أجنبي» — والتفريغُ لا يميّز أفسَّرها الرجلُ بنفسه أم فُسِّرت له، فلم أجزم بأحد الوجهين. ثمّ أفصح عن عزمه: «ولذلك أنا الآن خلاص صفيت أعمالي وقررت أني أسافر للبلد لأضع حدا لهذه الأخت».

الثاني — ما صنعه المعبّر قبل أن يعبّر: استفتح بالصلاة على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «فقلت صل على محمد قال اللهم صل على محمد»، ثمّ صرّح بجهله بحال المرئيّة وسأل عنها قبل أن ينطق بتعبير: «قلت أنا الآن سأفسر لك الرؤيا وأنا ما أعرف أختك الآن أختك هل هي امرأة صالحة؟ تخاف الله؟ محجبة؟»، فأقرّ الرجل: «قال فعلا كل ما قلته في أختي».

الثالث — التعبيرُ ومأخذُه: «قلت إذا التعري هذا أو كونها عريانة إن شاء الله تعالى أنها عريانة من الذنوب أنها ليس عليها ذنب إن شاء الله تعالى»، ثمّ نصَّ على النصّ الذي أخذ منه: «فناخذ التعبير من قول النبي صلى الله عليه وسلم من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه». وقد ساق الحديثَ بهذا اللفظ في التسجيل، ولفظُه في الصحيحين مثبتٌ في الأدلّة أدناه.

الرابع — الحكمُ على القرار: ثمّ التفت إلى ما عزم عليه الرجل فقال: «وأنت يا أخي مستعجل ومتهور في قرارك هذا فمن من أنبأك أن هذا المعنى هو الصحيح؟» — و«فمن من» تكرارٌ في المسموع أثبتُّه كما ورد. ثمّ ذكر أثر ذلك فيه: «فالرجل تغير ١٨٠ درجة وبدأ يستغفر والحمد لله أن كلماتي وجدت صدى عنده»، وحكى قولَ الرجل: «قال: أستغفر الله وأتوب إليه».

وفي طريقهما إلى صلاة المغرب عرض الرجلُ رؤيا ثانية: «قال عندي رؤية ثانية رأيت أنه يخرج من جيبي الطويل هذا الذي على جوانب الثياب دود قز ويدخل في جيبي الصغير هذا ما تعبيرها؟»، فأجابه بتأجيل التعبير حتّى يستوثق من حاله: «قلت تعبيرها سأخبرك إياها إن شاء الله تعالى لكن أرجو أن تتقبل كلامي بكل صدر رحب وأن تخبرني بالحقيقة»، فقال الرجل: «قال تفضل»، ثمّ ابتدأ المفسّرُ سؤالَه بقوله «قلت له هل أنت» فانقطع الكلامُ عند هذا الحدّ بورود مكالمةٍ على الهواء؛ فلم يقع في هذا الموضع تمامُ السؤال ولا تعبيرُ دود القزّ، ولا أُثبت لهما شيء.

ومأخذُ القاعدة من مجموع ما تقدّم: أنّ المنامَ وتعبيرَه لا يصلحان مستنداً للإقدام على الأهل؛ فقد بلغ بالرجل تعبيرٌ واحدٌ أن «صفّى أعماله» ويعزم على ما سمّاه وضعَ حدٍّ لأخته، فلم يقتصر المفسّر على معارضته بتعبيرٍ آخر، بل ردّه إلى أصل المسألة بسؤالٍ عن مستند اليقين: «فمن من أنبأك أن هذا المعنى هو الصحيح؟» — فجعل مناطَ الردّ انتفاءَ العلم بصحّة المعنى، ووصف القرار نفسه بأنّه عجلةٌ وتهوّر. ومنه أيضاً أنّ التعبير لا يُبتدأ قبل معرفة حال من تعلّقت به الرؤيا، إذ صرّح بجهله — «وأنا ما أعرف أختك» — وسأل عن الصلاح وخوف الله والحجاب، ثمّ نزَّل المعنى على ما أقرّ به الرائي نفسه. ومنه أنّ الرمز الواحد يحتمل المعنى وضدَّه: فالتعرّي الذي حُمل على الفاحشة حمله هو على البراءة من الذنب، وجعل مستندَه نصّاً شرعيّاً لا مجرّدَ استحسان؛ ولم يفصّل وجهَ الأخذ من الحديث، وظاهرُ صنيعه أنّ الرجوعَ «كيوم ولدته أمه» جُعل في الحديث كنايةً عن سقوط الذنوب، فأُنزل التعرّي في المنام على هذا المعنى دون معنى الفاحشة. ومنه أخيراً أنّ المعبّر إذا لم يستبن له وجهُ الرؤيا أخّر جوابه حتّى يستوثق، كما أخّر تعبير الرؤيا الثانية واشترط أن يخبره صاحبُها «بالحقيقة».

الأدلّة

1 دليل

فماذا تفعل؟

  • لا تُقدِم على أهلك بقرارٍ — سفرٍ أو قطيعةٍ أو أذًى — بناءً على منامٍ أو على تفسير منام؛ فالسؤالُ الذي رُدَّ به صاحبُ هذه الرؤيا: «فمن من أنبأك أن هذا المعنى هو الصحيح؟»
  • إذا سمعتَ تعبيراً يتّهم قريباً لك في عرضه فلا تنقله ولا تبنِ عليه شيئاً؛ فقد وُصف من فعل ذلك بأنّه «مستعجل ومتهور في قرارك هذا».
  • لا تجعل التعرّي في المنام لازماً للفاحشة؛ فقد حُمل ههنا على أنّها «عريانة من الذنوب أنها ليس عليها ذنب».
  • وإن كنتَ المعبّر فلا تعبّر رؤيا تتعلّق بشخصٍ بعينه حتّى تسأل عن حاله؛ فقد قالها صريحةً قبل التعبير: «وأنا ما أعرف أختك».
  • وإن أشكل عليك وجهُ الرؤيا فأخِّر الجواب حتّى تستوثق من حال صاحبها، كما أُخِّر تعبيرُ الرؤيا الثانية على شرط أن يخبره «بالحقيقة».

في الباب نفسه: أحكامٌ ومحاذير