تفسير الأحلام.نت
أحكامٌ ومحاذير

«ليس معناه أننا نتشاءم دائماً» — حديثُ الشؤم في ثلاثة والأخذُ بالأسباب

قيل لي إنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: الشؤم في ثلاثة: في المرأة والدار والدابة — فهل معناه أن أتشاءم من بيتي أو زوجتي أو سيّارتي إذا تكرّر عندها ما أكرهه؟

في الثلث الأخير من درسٍ موضوعُه التوجّس والتشاؤم وقف د. فهد العصيمي على حديث الشؤم في ثلاثة، فقرّر أنّه «ليس معناه أننا نتشاءم دائما من هذه البيوت»، وأنّ قائله هو من قال «الخيل معقود بنواصيها الخير»؛ وإنّما معناه أنّ هذه الأشياء قد تكون «مجلبة لبعض المواقف التي تتكرر». فيُعالَج الأمر أوّلاً، فإن لم تُجدِ السبل فالتغيير، فإن تعذّر فالصبر والدعاء.

التفصيل

حلقةٌ مُرسَلةٌ ليس فيها منامٌ يُعرَض ولا تعبيرٌ يجري؛ موضوعُها الشخصيّةُ التي تتوجّس وتقلق من الأحلام. ولمّا فرغ د. فهد العصيمي من الكلام في العزلة وأثرِها انتقل في الثلث الأخير إلى ما هو خارجٌ عن النفس من أسباب الحزن: العشيرُ والبيتُ والمركبُ والزوج، وإلى ما يُتوهَّم في ذلك من التشاؤم. وصرّح بأنّ هذا المقطع من صلب الدرس لا استطراداً عنه، فقال بعد ضربِ مثاله: «فلذلك هذا جزء من حديث اليوم».

(١) بدأه بالدعوة إلى فتح البيت ومخالطة الناس: «افتح بيتك افتح صدرك افتح مجلسك خالط الناس ابدأ بأخوانك وأخواتك خلهم يدخلون بيتك ويدعون لك ويزورونك»، ثمّ عطف عليها التوكّل: «وتوكل على الله». ثمّ قرن التوكّلَ بالعمل ولم يجعلهما ضدَّين: «مع التوكل على الله الرسول عليه الصلاة والسلام ذهب إلى معركة أحد ولبس درعين ظاهر بين درعين ولبس خوذة على رأسه فيعمل بالأسباب».

(٢) وضرب لذلك مثلاً من فعل نفسه: «أنا أول ما خرج اللقاح ذهبت وطعمت نفسي وطعمت زوجتي وأهل بيتي»، وذكر أنّ التشكيكات إنّما بدأت بعد خروجه، ثمّ حكى جوابَه للممتنع خوفاً ممّا قد يسبّبه: «أقول له ممكن يأتيك كورونا ويسبب عليك اللي أنت تقول وانتهينا»، وختم المثال بقوله: «هذا اللقاء اكتشاف علمي نحمد الله عليه» — وقد ورد لفظُ «اللقاء» هكذا في التسجيل في هذا الموضع، وسياقُ الكلام كلُّه في اللقاح.

(٣) ثمّ ردّ الامتناعَ عن الأخذ بالسبب إلى جهلٍ بهدي النبيّ صلى الله عليه وسلم: «لكن الشيء الذي يجعلك لا تأخذه أنك لا تعرف أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخذ بالأسباب وقرأ عليه جبريل رقية»، واستدلّ بقوله: «وكان يقول عليه الصلاة والسلام الشفاء في ثلاثة شرطة محجم ، شربة عسل كية بالنار وأنهى أمتي عن الكي»، وفرّع عليه سؤالاً إلزاميّاً: «فهذه أسباب لو قالوا لك إن علاج كورونا بالكي ألا تذهب وتعالج بالكي»، وخلص إلى: «فهذا الرسول عليه الصلاة والسلام يأمر بالأخذ بالأسباب ويخبرنا ويشرع لنا هذه الأسباب».

(٤) ثمّ انتقل إلى أسبابٍ للحزن والعزلة خارجةٍ عن الشخص نفسِه، وجعل أوّلَ علاجها النصحَ لا الفِرار: «أحياناً يكون من أسباب العزلة ومن أسباب الحزن أن يكون الشخص يعاشر شخص كريه بغيض فهذا يعالج بالنصح بتغيير سلوكه بمحاولة إدخال ناس في حياته»، ثمّ زاد فيها الجمادَ والمسكن: «ممكن يكون أحياناً البيت نفسه يسبب لك الحزن ، ممكن أحياناً أن تكون سيارتك تسبب لك الحزن تسبب لك حوادث و صدمات سرقات و حريق و كذا».

(٥) وعند هذا ساق الحديث: «الرسول عليه الصلاة و السلام بالمناسبة قال : إن كان الشؤم فهناك ثلاثة في البيت وفي الدابة وفي الزوجة أو المرأة»، وبادر قبل كلِّ شيءٍ إلى نفي ما يُتوهَّم منه: «وهذا الحديث ليس معناه أننا نتشاءم دائما من هذه البيوت».

(٦) واحتجّ على هذا النفي بمقابلة الحديث بأحاديثَ أُخرى لقائله نفسِه: «الذي قال هذا الحديث هو من قال الخيل معقود بنواصيها الخير و هو من قال الدنيا متاع و خير متاعها المرأة الصالحة و هو من قال أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك».

(٧) ثمّ قرّر المعنى الذي يراه، وهو تكرُّرُ المواقف لا ذمُّ الأعيان: «فهذا الحديث معناه أن هذه الأشياء قد تكون أحيانا مجلبة لبعض المواقف التي تتكرر يعني البيت مثلا يكثر فيه السراق ويكثر فيه الجيران السيئين ويكثر فيه الحوادث فيقولون أن الأفضل أنك تستبدل هذا البيت». ونظّره في الزوجة: «المرأة مثلا يتزوجها الإنسان فتكون سليطة متسلطة غير ودود»، ثمّ: «وتسمع هذا الكلام السيء والجارح فالرسول يقول: قد يكون في المرأة إن كان في شيء فقد يكون في الزوجة يعني». وفي الدابّة: «وكذلك الدابة قد تكون مثلا الدابة التي يشتريها الإنسان تجفل لا تستجيب له ، أو في السيارة كثيرة الحوادث و كثيرة الصدمات فيغيرها».

(٨) ثمّ نفى أن يكون في الحديث ذمٌّ لهذه الأشياء في أنفسها: «لكن ليس هذا معنى أن هذه الأشياء مكروهة ومذمومة في ذاتها»، وقيّد التغييرَ بفوات العلاج فقال: «إذا كانت لن تستجيب للطرق العلاجية والسبل العلاجية فتغييرها يقول الرسول قد يكون في تغييرها خير»، ثمّ حصر المعنى في قوله: «فهذا معنى إن كان الشؤم فهناك ثلاثة في المرأة والدابة و الدار». ونبّه إلى أنّ للعلماء كلاماً كثيراً في هذا الحديث، وأنّه «حديث صحيح رواه البخاري في صحيحها» — كذا ورد آخرُ اللفظ في التسجيل.

(٩) وختم الحلقة بحال من ابتُلي ولم يجد سبيلاً إلى تغيير: «لكن من أبتلى ببيت أو بدابة أو بزوج أو زوجة سيئين عليه أن يصبر وأن يدعو الله سبحانه وتعالى وأن يلح في الدعاء وعليه أن يبحث عن الأسباب التي تغير من سلوك هذا الشخص».

مأخذُ القاعدة: فرّق المفسّر في الحديث بين معنيين: تشاؤمٍ دائمٍ من هذه الأعيان — ونفاه صراحةً؛ ووصفٍ لما قد يتكرّر عندها من المواقف — وأثبته. وبنى النفيَ على قرينةٍ نطق بها: أنّ قائل هذا الحديث هو قائلُ ما فيه مدحُ الخيل والمرأة الصالحة وبرُّ الأمّ، فلا يستقيم أن يكون مرادُه ذمَّ الجنس في ذاته. وبنى الإثباتَ على الأثر المتكرِّر لا على العين، ولذلك رتّب الجواب ترتيباً: العلاجُ أوّلاً بالنصح وتغيير السلوك، فإن لم تستجب السبلُ العلاجيّة فالتغييرُ — وفيه بلفظه «قد يكون في تغييرها خير» — فإن تعذّر فالصبرُ والإلحاحُ في الدعاء مع البحث عن الأسباب المغيِّرة. وهو في هذا مطّردٌ مع أصل الحلقة الذي جعله جزءاً من حديث اليوم: أنّ التوجّس لا يُعالَج بالانكفاء ولا بالتسليم للمعنى الأسوأ، بل بالأخذ بالأسباب مع التوكّل، كما ظاهَر النبيُّ صلى الله عليه وسلم بين درعين يوم أُحد وهو أعظمُ الناس توكّلاً.

الأدلّة

7 دليل

فماذا تفعل؟

إذا تكرّر عندك في بيتٍ أو مركبٍ أو عشيرٍ ما يسوءك:

  • لا تحمل الأمر على أنّ الشيء مذمومٌ في ذاته؛ فالمفسّر نصّ على أنّ الحديث «ليس معناه أننا نتشاءم دائما من هذه البيوت»، وأنّ هذه الأشياء ليست «مكروهة ومذمومة في ذاتها».
  • ابدأ بالعلاج قبل التغيير: «فهذا يعالج بالنصح بتغيير سلوكه بمحاولة إدخال ناس في حياته».
  • فإن لم تُجدِ «الطرق العلاجية والسبل العلاجية» فالتغييرُ مشروع: «فتغييرها يقول الرسول قد يكون في تغييرها خير».
  • وإن تعذّر التغيير فوصيّتُه الأخيرة: أن تصبر، وأن تُلحّ في الدعاء، وأن تبحث عن «الأسباب التي تغير من سلوك هذا الشخص».
  • ولا تترك الأخذ بالأسباب باسم التوكّل؛ فالنبيّ صلى الله عليه وسلم «ذهب إلى معركة أحد ولبس درعين ظاهر بين درعين ولبس خوذة على رأسه».

في الباب نفسه: أحكامٌ ومحاذير