الميّتُ يخبر في المنام بما لا يعلمه الحيّ: دليلُه من عهد أبي بكر
هل يصحّ أن يأتيَ الميّتُ في المنام فيخبر بشيءٍ لا يعلمه الحيّ فيجده كما قال؟ وهل لهذا أصلٌ عند السلف؟
ظاهرةٌ يسأل عنها كثيرون: ميّتٌ يأتي في المنام فيدلّ على مفقودٍ لا يعرف مكانَه أحد، فيُوجد حيث قال. يذكر د. فهد العصيمي أنّه وقف على ذلك عند بعض الناس، ثمّ يسوق دليله من عهد أبي بكر: رؤيا درع الصحابيّ المقتول في اليمامة، وكيف تثبّت أبو بكر من علاماتها في الواقع ثمّ أنفذ الوصية وأعتق المملوك.
التفصيل
في هذا الدرس القصير يعرض الدكتور فهد العصيمي ظاهرةً يكثر السؤال عنها: أن يأتيَ الميّتُ في منام الحيّ فيدلَّه على أمرٍ غائبٍ لا سبيل له إلى معرفته، فيقع كما قال. وقد بدأ بما سمعه ووقف عليه، ثمّ انتقل إلى الدليل من العصور المفضّلة، ثمّ ردّ آخرَ كلامه إلى أوّله.
(١) «فيه شخص جلست معه مرة من المرات قال لي إن عندهم إنسان إذا جاءه شخص متوفى وأخبره بشيء دائما هذا الشيء يكون صحيحا».
ثمّ مثّل لذلك بحادثة المفتاح المفقود: (٢) «لدرجة أنهم مرة فقدوا مفتاح ثمين لشيء ثمين يقولون: وبحثوا في كل مكان في البيت فلم يجدوه، فجاء هذا الإنسان المتوفى وقال له: ابحثوا في مكان كذا وكذا، يقولون: فذهب هذا الإنسان واستخرج المفتاح من نفس المكان».
ثمّ أخبر أنّه اطّلع على مثل هذا بنفسه: (٣) «أنا وقفت على هذه الظواهر عند بعض الناس … لا أبالغ إذا قلت أن هذا المتوفى يخبر هذا الإنسان بشيء دقيق جدا» — وموضعُ النقاط تردُّدٌ في الكلام لا حذفَ معنى.
ثمّ أورد الاعتراض المتوقَّع وأجاب عنه: (٤) «قد يقول لي إنسان: هل لهذا أدلة من العصور المفضلة؟ أقول نعم هناك دليل في العصور المفضلة وقع في عهد أبي بكر».
وساق القصّة: (٥) «إبانا حرب المرتدين قيس بن ثابت بن شماس أحد الصحابة الذي توفي في معركة اليمامة، كان عليه درع ثمينة وقتله المرتدون»، ثمّ ذكر أنّ أحد المسلمين غلَّ هذا الدرع وخبّأه عنده. (وقع في تسمية الصحابيّ قلبٌ في المسموع، نُقل كما ورد؛ والمعروف في كتب التراجم أنّه ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه.)
وموضعُ الشاهد هو الرؤيا نفسها: (٦) «فجاء رجل إلى أبي بكر قال رأيت الصحابي قيس بن ثابت بن شماس يقول لي إن فلانا مر بي وأنا مقتول فأخذ درعي وأنه وضعها تحت برمة وهي القدرة الكبيرة التي يوضع فيها الطعام وإنك ستجد عند هذه القدر أو البرمة فرساً يستنوا أي فرساً يلعب»؛ ثمّ تتمّةُ الوصية، وفي لفظها اضطرابٌ في المسموع نُقل على وجهه: (٧) «فأتي أبا بكر فقل له: ياخذ هذه الدرع وقل له: إن فلانا من عبيدي رقيق».
ونبّه إلى أنّ مدار هذه الرؤيا على أمرٍ يترتّب عليه عمل: (٨) «رؤية عجيبة جدا وفيها تنفيذ وصية يعني هل تنفذ هذه الوصية؟ هل يعتق هذا الإنسان المملوك؟».
ثمّ ذكر ما صنعه أبو بكر رضي الله عنه: (٩) «أبو بكر أراد أن يتثبت أرسل مجموعة إلى خباء هذا الرجل الذي غلى الدرع فوجدوا عنده فرس يلعب ويستن ووجدوا برمة فحفروا تحتها فوجدوا الدرع فأنفذ أبو بكر بقية الوصية وأعتق فلاناً الذي عين»، وعلّق: (١٠) «وهذه أول وصية تنفذ لإنسان … وهو متوفى» — وموضعُ النقاط تمتمةٌ غيرُ بيّنةٍ في التسجيل.
ثمّ ردّ القصّة إلى ما بدأ به: (١١) «هذه توافق ما يأتي لبعض الناس في بعض الأحايين لناس متوفين يأتون إلى الأحياء ويخبرونهم بتفاصيل دقيقة جدا لم يكونوا يعلمونها يعلمون بها».
ومأخذ القاعدة من مجموع كلامه: أنّ إخبار الميّت للحيّ في المنام بما لا يعلمه الحيّ ليس أمراً مستنكَراً ولا حادثاً بلا أصل، فقد وقع مثلُه في عهد أبي بكر رضي الله عنه. ومع ذلك فالذي في القصّة كما ساقها أنّ الخليفة لم يُمضِ شيئاً بمجرّد المنام، بل أراد التثبُّت فبعث من كشف عن العلامات المذكورة — الفرس والبرمة والدرع تحتها — فلمّا صدقت العلاماتُ في الواقع أنفذ بقيّة الوصية وأعتق المملوك. فالرؤيا دلّت على الموضع، والتحقُّقُ في الواقع هو الذي بُني عليه العمل.
الأدلّة
1 دليلأوصيك بوصية فإياك أن تقول: هذا حلم فتضيعه، إني لما قُتلت مرّ بي رجل من المسلمين وأخذ درعي، ومنزله في أقصى الناس، وعند خبائه فرس يستنّ في طوله، وقد كفأ على الدرع برمة، وفوق البرمة رحل.
من قصّة درع ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه بعد مقتله في اليمامة؛ أخرجها أبو يعلى في مسنده، وبوّب لها البوصيري في «إتحاف الخيرة المهرة» (باب وصية ثابت بن قيس بن شماس بعد موته)، وذكرها أهل التراجم كابن حجر في «الإصابة».مرويات تاريخية
فماذا تفعل؟
- إن رأيتَ ميّتاً يدلّك على شيءٍ ضائع أو يخبرك بخبر، فلا تُهمل الرؤيا ولا تجعلها حكماً؛ اجعلها إشارةً تُتبِعها بالبحث في الواقع.
- ابدأ بالعلامات الحسّية التي وردت في المنام — المكان وما حوله من قرائن — فهي وحدها ما يُصدَّق أو يُكذَّب بالمعاينة.
- لا تُنفِّذ حقّاً — وصيّةً أو دَيناً أو عتقاً أو مالاً — بمجرّد منام؛ فالوصيّة في القصّة إنّما أُنفذت بعد أن قامت شواهدُها في الواقع.
- لا تُقِم بالمنام تهمةً على أحد ولا تُشهِّر به قبل التبيُّن؛ فإن ظهر لك شيء فاطلبه بالطرق التي تُثبِت الحقّ.
- وإن لم تظهر للرؤيا شواهدُ في الواقع فدعها ولا تُحمّلها ما لا تحتمل.
في الباب نفسه: حقيقة الرؤيا وأنواعها
- ما الفرق بين الرؤيا الصادقة والحُلم من الشيطان وحديث النفس؟
- ما معنى أن الرؤيا جزءٌ من ستّة وأربعين جزءاً من النبوّة؟
- متى تكون الرؤيا أصدق؟ وكم تتأخّر حتى يقع تأويلها؟
- هل رؤيا الأنبياء في المنام وحيٌ يجب العمل به كاليقظة؟
- هل يرى الكافرُ والفاسقُ رؤيا صادقة، أم الرؤيا الصالحة للمؤمن وحده؟
- إذا تكرّرت الرؤيا هل يدلّ تكرارُها على صدقها؟ وهل لا بدّ أن تتكرّر؟
- ما الفرق بين ما يفعله الحلمُ في النفس وما تحمله الرؤيا من بشرى ونذارة؟
- ما الذي يجري للروح في أثناء النوم؟ ولماذا سُمّي النومُ وفاةً صغرى؟
- أنا مهمومٌ قلق، فهل يمكن أن أرى رؤيا مبشِّرة أصلاً؟ ولماذا تتأخّر البشارةُ عن التحقّق؟
- هل يمكن أن تُبشّرني الرؤيا الدنيويّة أو تُنذرني؟ وكيف أعرف أنّ ما قاله لي المعبِّر صحيح؟
- أرى الشيءَ في منامي ثمّ يقع كما رأيتُه، فهل أنا ممسوس والشيطانُ هو الذي يُخبرني؟
- هل تدلُّ الرؤيا على المستقبل دائماً، أم قد تكون عن حاضري أو عن أمرٍ مضى؟
- هل تفيد أحلامُ مَن نُوِّم تنويماً مغناطيسياً في تشخيص حالته؟ وهل تُعبَّر كما تُعبَّر الرؤيا؟
- كيف أعرف أنّ حلمي صادق؟ وهل أستطيع أن أجزم بصدق رؤياي قبل أن تقع؟
- هل يمكن أن تكون الرؤيا سبباً في هداية صاحبها وإسلامه؟
- هل تكون وضعيّةُ النوم وارتفاعُ المخدّة سبباً لما يراه النائمُ من صورٍ مزعجةٍ وأحاسيسَ غريبة؟
- هل ما أراه في المنام هو نفسه ما أتمنّاه وأُكثر التفكيرَ فيه في يقظتي؟
- هل تسبّب حبوبُ النوم والعقاقيرُ المنوّمة أحلاماً مزعجةً وكوابيس؟
- أعاني من الجاثوم كثيراً — هل سببُه شرعيٌّ أم جسديّ؟ وهل يدفعه النومُ على الجنب الأيمن؟
- هل أستطيع أن أُهيّئ نفسي لأرى في منامي ما أتمنّاه، كرؤية النبيّ صلى الله عليه وسلم أو رؤية أحدٍ من موتاي؟
- هل أُؤجَر على ما أقاسيه في منامي من عذابٍ وصراع؟
- تتكرّر عليّ الكوابيسُ والجاثوم — هل هي كلُّها من الشيطان؟ وهل ينفع أن أغيّر وضعيّة نومي أو مكانَه؟
- ما حقيقةُ الجاثوم الذي يجثم عليَّ في نومي؟ وهل لكثرة الطعام دخلٌ فيه؟ وكيف أدفعه عنّي؟
- أستيقظ من نومي فزعاً مرّاتٍ في الليلة الواحدة، فهل هذا حلمٌ يُعبَّر؟
- رأيتُ شخصاً يكلّمني وأنا أحسبني يقظان — أرؤيا هي أم لا؟
- كيف أعرف أنّ ما رأيتُه أضغاثُ أحلامٍ لا رؤيا صادقة؟
- كيف أرى رؤىً مبشّرةً وأبتعد عن المزعجة؟
- أجريتُ عمليّةً ورأيتُ مناماً وأنا تحت تأثير البنج، فهل يُعتدّ به ويُعبَّر؟
- هل يحلم الرضيع؟ ومتى تُعتبر رؤيا الطفل؟
- كيف تكشف الرؤيا عملاً خفيّاً لا يعلمه أحد؟
- هل جاءت اختراعاتٌ مشهورةٌ عن طريق المنام؟
- ما مصير الرؤيا بعد رؤيتها؟ وما تواطؤ الرؤى؟
- يقول بعضهم: كنتُ أعرف أنّني أحلم، وأستطيع إكمال الحلم — أصحيحٌ هذا؟
- سمعتُ أنّ ما يراه الإنسان في منامه يكون عكسَ حاله في اليقظة؛ فهل الأحلام تعطينا دائماً صورةً معاكسةً لشخصياتنا، أم تعطينا صورتَنا الحقيقية؟
- تتكرّر عليَّ الكوابيس والجاثوم، وتزعجني الأحلام ولا تنقطع طوال الليل — فما سببُها وكيف أتخلّص منها؟
- هل يمكن أن تترك الرؤيا أثراً محسوساً في جسد الرائي بعد أن يستيقظ؟
- هل يصحّ أن يرى النائمُ عذاباً من عذاب الله في منامه؟
- هل يحلم الرضيع؟ وما معنى ابتسامه أو بكائه المتكرّر في نومه؟
- هل تحلم الحيوانات؟ وهل ترى الرؤى المبشّرة كما يراها الإنسان؟
- هل يُفسَّر ما أتمنّاه في يقظتي كما تُفسَّر رؤيا المنام؟
- لماذا تتكرّر عليّ رؤيةُ الأماكن العالية والثعابين؟ وهل تُنذر بشيءٍ سيقع؟
- رأيتُ ميّتاً في منامي وكلّمني — فهل التقت روحي بروحه حقّاً؟
- رؤياي وقعت كما رأيتُها لكنّها ساءتني — فهل تُسمّى رؤيا صالحة؟
- هل هناك طريقٌ مباحٌ لمعرفة شيءٍ من الغيب غيرُ الرؤيا؟
- الشياطينُ مصفَّدةٌ في رمضان، فكيف أرى الكوابيسَ والأحلامَ المفزعة؟
- هل يمكن أن يتحقّق نصفُ رؤياي ولا يتحقّق باقيها؟
- ما حقيقةُ الرؤيا التي أراها في نومي؟ ومن الذي يأتي بها إلى النائم؟
- أنا كفيفٌ، فكيف أرى في منامي؟ وهل يرى المولودُ أعمى الرموزَ أصلاً؟
- لماذا يرى غيري رؤىً صالحةً ولا أراها أنا؟
- رؤياي لم تدم إلا ثوانيَ، فهل يخفّ أثرُها لقصرها؟
- لا أتذكّر أحلامي أبداً، فهل هذا طبيعيّ؟ ولماذا؟