تفسير الأحلام.نت
أصول التعبير وقواعده

صناعةُ المعبِّر: ما الذي يؤهِّل للتصدّر لتعبير الرؤيا؟

أعبِّر رؤى أهلي وأصدقائي وأقرأ في معاني الرموز من الكتب، فهل يكفي هذا لأقول إنّي معبِّر رؤيا؟

درسٌ مفردٌ في شروط التصدّر لتعبير الرؤيا: يضرب الشيخ فهد العصيمي مثلاً بمن يصف الدواء لأهله فلا يصير طبيباً، وبمن يجيب أولاده في الصلاة والصوم فلا يصير مفتياً، ثمّ ينزّل ذلك على التعبير، ويعدّد ما يحتاجه المعبّر من اللغة والقرآن والسنّة والأمثال وخصائص الطقس، ويختم بآداب المهنة.

التفصيل

حلقةٌ مفردةٌ لا متّصلين فيها ولا رؤى مرويّة، خصّها الشيخ فهد العصيمي بمسألةٍ واحدة سمّاها «صناعة المعبِّر»، وافتتحها بالسؤال الذي بُني عليه الدرس كلُّه: (١) «وهل الأمر بسيط كما يتصور البعض وأنه بمجرد أن أقوم بتفسير بعض أحلام عائلتي وبعض أحلام أصدقائي خاصة ما يتكرر منها ويكون عندي تعود على هذا الشيء ودربه وبمجرد أن أقرأ في معاني بعض الرموز من بعض الكتب الموجودة الصحيح وغير الصحيح هل هذا كافي لكي أصنع من نفسي معبراً». ثمّ قدّم بين يدي الجواب قولَه: (٢) «المسألة أكبر مما تتصور»، وأنّ (٣) «الجواب قد يكون صادما للبعض».

ومهّد له بمثالين. الأوّل من الطبّ: أبٌ وأمٌّ يصفان للأولاد المسكّن وخافض الحرارة وعلاج آلام البطن والزنجبيل، حتّى قال: (٤) «هذه الوصفات المتكررة من الأب والأم للأولاد حديثي التجربة قد تجعل الابن يعتقد أن أباه و أن أمه على قدر كبير من التخصص الطبي»، ثمّ حسم المثال بقوله: (٥) «لكن هذا الشيء هل يخوله لكي يمارس مهنة التطبب ووصف الأدوية لقطاع كبير من البشر غير محيط عائلته الجواب لا».

والثاني من الفتوى: رجلٌ يسأله أولادُه وبناتُه عن فروض الصلاة ولبس الجوارب وتقديم وقت الصلاة والصوم وآدابه فيجيبهم من خبرته ومن معارفَ سهلةٍ بسيطة، ثمّ نزّل المثال على التعبير في سياقٍ واحد: (٦) «هل هذا الإنسان بهذه الطريقة وبهذه الآلية قادر أن يكون مفتياً على مسائل شاملة وكبيرة في الفقه وفي الأحكام الشرعية الجواب لا ينطبق هذا على التعبير فليس التعبير فليس التعبير هو قيامك بتعبير (رموز تتكرر لعائلتك)». وضرب لتلك الرموز المتكرّرة أمثلةً مفترضةً على لسان البنت: الطيران، والصعود في السلّم، وبياض الأسنان، ثمّ قال: (٧) «وليست الرموز فقط هي ما يراه زوجك أو ما تراه زوجتك وتظن أنك تحيط بهذه المعاني لو جاءك... لو جاءتك من أناس آخرين المسألة أكبر من ذلك».

ثمّ انتقل إلى ما سمّاه الجانب الثاني، وهو سَعةُ ما يلزم المعبِّر من العلوم: (٨) «المعبر، لكي يكون معبراً فلابد أن يحيط بأشياء كثيرة في اللغة العربية وفي القرآن الكريم وفي السنة النبوية وفي الأمثال السائرة والسائدة وفي خصائص الطقس و المناخ و ما يندرج تحتها من صلاحية الأرض للزراعة في وقت وعدم صلاحية الأرض للزراعة في وقت السحب وقدومها و كونها مبشرة بالمطر أو كونها تسبب الكتمة على الجو كل هذا لابد أن يكون حاضراً في ذهن المعبر».

وبيّن أنّ تعدّد مشارب هذا العلم هو سببُ عسر تصنيفه، وأنّ ذلك لا يُخرجه عن كونه علماً: (٩) «صعوبته أنه يكون من مشارب مختلفة من العلوم ولذلك صعب التصنيف فيه وصعب أن يوضع كتخصص في مناهج أو في كتب تدرس ولذلك نجد أحيانا من يدرسه من خلال علم النفس من يدرسه من خلال الحديث الشريف أو من خلال تفسير القرآن الكريم مثلا في سورة يوسف لكن... لكن هذا لا يمنع أن يكون علماً له أصوله»، ثمّ ساق نقولَ الأئمّة في شرفه: (١٠) «ولذلك ذُكر كثير من النقول التي تدل على شرف هذا العلم من كثير من الأئمة ومما قالوه أن علم التعبير علم صحيح يمن الله به على من يشاء ومنها قولهم: أن علم التعبير يثاب الإنسان على تعلمه وتعليمه».

وأتبع ذلك بإحالةٍ إلى قاعدة صاحب «الموافقات» في أنّ لأمّة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من خصائصه نموذجاً، وأنّ الرؤيا نموذجُ الأمّة من الوحي. وموضعُ هذه الإحالة مضطربٌ في التسجيل، وهذا لفظُه كما ورد من غير تغيير: (١١) «قائلها الإمام محمد بن عبد الوهاب الشاطبي في الموافقات يقول مزية غالباً أُعطيها محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا أُعطيت أمته نموذجاً. ومن ذلك الوحي خص به محمد صلى الله عليه وسلم و... أعطيت أمته الرؤى التي تأتي عن طريق الغيب عن طريق ملك الرؤية» — والاسمُ في هذا الموضع مشكلٌ، فصاحبُ «الموافقات» هو أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبيّ، وقد نُقل هنا على غير ذلك، فأثبتناه كما ورد ونبّهنا عليه ولم نصلحه.

وختم الدرس بجوابٍ صريحٍ عن سؤال مطلعه، ثمّ بآداب المهنة: (١٢) «المسألة ليست بالبساطة التي تتصور وليست بالسهولة التي تتصورها. فهي تحتاج إلى تدرب إلى ممارسة إلى اطلاع إلى ثقافة»، وجعل أهمَّ ذلك التمسّك بالآداب — وعبارتُه في هذا الموضع مضطربةٌ في التسجيل وهذا لفظُها: (١٣) «وأهم ما تحتاجه بالنسبة لي أن تكون متحصناً متعة مسكا بآداب مهنة التعبير» — ثمّ فصّل تلك الآداب: (١٤) «فلا تعبر إلا على الخير ولا تفزع الناس و إذا لم تعرف شيئا فقل لا أعلم وأحن على مليء غيرك واعلم أن التعبير ليس بالتخرص وليس بالكهانة وليس بالتنجيم و أنه علم شريف يثاب الإنسان على تعلمه تعليمها» — وقولُه «وأحن على مليء غيرك» كذا ورد في التسجيل، ولم نغيّره.

ومأخذُ القاعدة من مجموع ذلك: أنّ الإصابةَ في محيطٍ ضيّقٍ مألوفٍ ليست تخويلاً للتصدّر لعامّة الناس، فكما لا يصير واصفُ الدواء لأهله طبيباً، ولا يصير مُجيبُ أولاده في مسائل الصلاة مفتياً، لا يصير مَن عبّر رموزاً تتكرّر في بيته أو قرأ في كتب المعاني معبِّراً. وأنّ أهليّة التعبير مركّبةٌ من شِقّين لا يُغني أحدهما عن الآخر: علمٌ واسعٌ من مشاربَ شتّى — لغةٌ وقرآنٌ وسنّةٌ وأمثالٌ وخبرةٌ بالطقس والأرض — ودُربةٌ وممارسةٌ واطّلاع؛ ثمّ حارسٌ فوقهما هو آدابُ المهنة: قصْرُ التعبير على الخير، وتركُ الترويع، وقولُ «لا أعلم» عند الجهل، والإحالةُ على من هو أعلم، والبراءةُ من التخرّص والكهانة والتنجيم.

فماذا تفعل؟

إن كنتَ تفكّر في التصدّر لتعبير الرؤيا، فهذه خلاصةُ ما قرّره الدرس عملاً:

  • لا تجعل إصابتَك في رموزٍ تتكرّر عند أهلك وأصدقائك شهادةَ أهليّة؛ فالمقياسُ ما يَرِد عليك من أناسٍ آخرين لا ما ألِفتَه في بيتك.
  • لا تكتفِ بقراءة معاني الرموز في الكتب، فمنها الصحيحُ وغيرُ الصحيح؛ واطلب مع ذلك اللغةَ والقرآنَ والسنّةَ والأمثالَ السائرة وخبرةَ الطقس والأرض.
  • اجمع إلى العلم دُربةً وممارسةً واطّلاعاً؛ فالمسألةُ ليست بالسهولة التي تُتصوَّر.
  • لا تعبّر إلا على الخير، ولا تُفزِع الناس بما تقول.
  • إذا لم تعرف فقل: لا أعلم، وأحِل السائلَ على من هو أعلم منك.
  • اعلم أنّ التعبير ليس تخرّصاً ولا كهانةً ولا تنجيماً، وأنّه علمٌ شريفٌ يُثاب الإنسان على تعلّمه وتعليمه.

في الباب نفسه: أصول التعبير وقواعده