تفسير الأحلام.نت
حقيقة الرؤيا وأنواعها

«على حسب قوة الحدث وتأثيره» — مشهدٌ رأيتَه في اليقظة ثمّ جاء في رؤيا صحيحةِ الرموز

رأيتُ رؤيا كلُّ رموزها صحيحةٌ واقعيّة، غير أنّ فيها شيئاً كنتُ رأيتُه في التلفزيون قبلها بيومٍ وأثّر فيّ — فهل تُعَدُّ أضغاثَ أحلامٍ أم رؤيا؟

سألت متّصلةٌ عن رؤيا كلُّ رموزها صحيحةٌ واقعيّة، غير أنّ فيها شيئاً رأته في التلفزيون قبلها بيومٍ وأثّر فيها: أضغاثٌ هي أم رؤيا؟ فلم يقطع د. فهد العصيمي بأحد الطرفين، بل ردَّ المدارَ إلى «قوة الحدث وتأثيره»، وجعل سبيلَ معرفته سماعَ الرؤيا كاملةً من صاحبها والاستنباطَ من كلامه أثناء السماع، واستشهد بما استقرأه في حادثة الحادي عشر من سبتمبر.

التفصيل

حلقةٌ من برنامج «الأحلام» للدكتور فهد بن سعود العصيمي، فُتح فيها بابُ الاتّصال فكانت المتّصلةَ «شاهد»، وقد قدّمت بأنّ لها اهتماماً بالرؤيا وأنّها من كثرة السؤال عنها بدأت تفهم فكَّ رموزها. فلمّا فرغ من جواب مسألتها الأولى — وفي ذيلها ذكرُ «استدعاء الرؤيا» — جرى في التفريغ لفظُ «نعم سؤالك الثاني»، والتفريغُ لا يفصل بين المتحدّثين في هذا الموضع فلم يُنسب هذا اللفظُ إلى معيَّن. ثمّ ساقت المتّصلةُ مسألتها هذه.

أوّلاً: صورةُ المسألة كما عرضتها المتّصلة. (١) قالت: «طب مثلا احيانا تكون رؤية مثلا واقعية حتى رموزها لاني انا افهم ما عن الرؤى، واقعية كل رموزها صحيحة وواقعية وكل شيء». (٢) ثمّ ضربت لذلك مثالاً: «بس مثلا اكون بقبل بيوم مثلا شفت شيء مثلا وأثر فيني مثلا وبنفس الرؤية هذه الحقيقية لقيتها شيء مثلا وشم، مثلا أنت تعرف الوشم، مثلا شفت مثلا في التلفزيون مثلا وشم بمكان معين مثلا وفي الرؤية لقيته داخل الرؤية، والرؤية صح يعني ورموزها جدا قوية معبرة بس هذا الوشم لقيته بنفس الرؤية». (٣) ثمّ صرّحت بالسؤال: «هل تعتبر أضغاط أحلام ولا رؤية تعتبر؟» — والمثالُ في كلامها مصدَّرٌ بـ«مثلا» مكرّرةً، لم تُخبر فيه عن رؤيا وقعت لها بعينها فتُعبَّر، وإنّما عرضت صورةً لتُعرَف قاعدتُها.

ثانياً: الجواب — المدارُ على قوّة الحدث وأثره في الرائي. (٤) فلم يقطع بواحدٍ من الطرفين، ولم يجعل مجرّدَ سبق المشهد في اليقظة حكماً، وإنّما ردَّ الأمرَ إلى قدرٍ يُنظر فيه فقال: «على حسب طبعا قوة الحدث وتأثيره عليك يا شاهد. على حسب قوة الحدث».

ثالثاً: سبيلُ معرفة ذلك — السماعُ التامُّ والاستنباط أثناءه. (٥) ثمّ بيّن الطريقَ الذي يُعلَم به أأثّر الحدثُ أم لم يؤثّر، فجعله في السماع من صاحب الرؤيا نفسِه لا في النظر إلى المشهد مفرداً: «طبعا كل رؤية يا شاهد لابد تسمعينها من صاحبها وتجلسين تفكرين في أثناء السماع وتستنبطين من كلامه هل هو أثر عليه هذا الحدث أو لم يؤثر».

رابعاً: شاهدٌ من استقرائه — الحادي عشر من سبتمبر. (٦) ثمّ ضرب مثالاً بما جمعه في هذه الحادثة: «يعني أعطيكي مثال لي كتاب أنا في السوق عن علاقة الحادي عشر من سبتمبر بالأحلام هل في واحد رأى ضرب العماير الأمريكية في الأحلام قبل ما تقع المشكلة؟ يعني من خلال ما وصلني؟ أبداً ما في أحد». (٧) ثمّ ذكر ما ورد عليه بعد وقوع الحادثة، وحكمَه عليه: «لكن بعد ما انضربت وبعد ما صار الحدث هذا جانا ناس يقولون أنا رأيت أنه فعلاً طيارات ضربت فأقول هذا من تأثير هذا الحدث».

خامساً: احترازان. (٨) فاحترز من أن يُفهم من كلامه نفيُ الإعلام قبل الوقوع أصلاً، فأثبت الأصلَ وقصر النفيَ على هذه الحادثة بعينها وعلى ما بلغه هو: «بس احيانا الله سبحانه وتعالى بنبئنا بالشيء قبل ما يصير ما في شك، لكن لكن انا في في هالحادثه تحديدا لم اسمع احدا قال لي انه راى هذا الحدث قبل وقوعه». (٩) ثمّ فرّق بين الحادثة العامّة التي تعمّ الناسَ وبين الحوادث الخاصّة بأصحابها، فوكل الثانيةَ إلى الاستفسار من أهلها: «اما اما بالنسبه لحوادث خاصه باصحابها فيستفسر من اصحابها عن هذه الحوادث تحديدا». ثمّ انتقلت المتّصلةُ بعد هذا إلى مسألةٍ ثالثةٍ في القرائن، فخرجت عن هذه المسألة.

مأخذُ القاعدة: حاصلُ ما قرّره أنّ وقوعَ مشهدٍ في المنام سبق للرائي أن رآه في يقظته ليس بنفسه حكماً على الرؤيا كلِّها بالأضغاث، ولا هو ملغًى بإطلاق؛ بل الميزانُ أمرٌ يُقدَّر: قوّةُ ذلك الحدث ومقدارُ أثره في صاحبه — «على حسب قوة الحدث». فإن كان الحدثُ قد استولى على الرائي فما ظهر في منامه من جنسه فهو من تأثيره، كما حكم على ما ورد عليه بعد ضرب الأبراج. ثمّ إنّ موقع هذا التقدير ليس النظرَ إلى المشهد المفرد مقتطعاً، وإنّما السماعُ: تُسمع الرؤيا كاملةً من صاحبها، ويُتأمَّل أثناء السماع في كلامه هو، فمن كلامه يُستنبط أأثّر فيه الحدثُ أم لا؛ فجُعل الدليلُ في المتكلّم لا في الرمز وحده. ولذلك وكل الحوادثَ الخاصّةَ بأصحابها إلى الاستفسار من أصحابها أنفسهم، إذ لا يُقاس أثرُ حادثةٍ في إنسانٍ على أثرها في غيره. وفي جوابه أصلٌ آخر لا يُغفَل: أنّ الإعلام بالشيء قبل وقوعه ثابتٌ «ما في شك»، وإنّما نفى في الحادثة المعيّنة أن يكون بلغه أحدٌ رآها قبل وقوعها؛ فالنفيُ منصبٌّ على ما وصله لا على أصل الباب.

تنبيهاتٌ على التفريغ: جاء في سؤال المتّصلة «أضغاط أحلام» بالطاء، وأُبقي اللفظُ كما ورد ولم يُبدَّل. وفي قولها «لاني انا افهم ما عن الرؤى» موضعٌ مضطربٌ أُثبت كما ورد ولم يُقدَّر له لفظٌ آخر ولم يُبنَ عليه شيء، وكذلك «بقبل بيوم». وفي كلام المفسّر «لي كتاب أنا في السوق» كذا ورد، ولم يُسمَّ الكتابُ في المقطع؛ و«العماير» على اللهجة فلم تُبدَّل؛ و«بنبئنا» كذا ورد. والتفريغُ لا يفصل بين المتحدّثين، فنُسبت الأدوارُ بالسياق وبدلائل خطاب المؤنّث الجارية في جواب المفسّر: «عليك يا شاهد»، «تسمعينها»، «وتجلسين»، «وتستنبطين»، «أعطيكي». ولم يُذكر في هذا الموضع نصٌّ من كتابٍ ولا سنّةٍ استُدلّ به، فلم تُوضع أدلّة.

فماذا تفعل؟

إذا وقع في منامك مشهدٌ سبق أن رأيتَه في يقظتك — في تلفازٍ أو غيره — فلا تحكم على رؤياك كلِّها بالأضغاث لمجرّد ذلك، ولا تُلغِ أثرَه:

  • زِن الحدثَ نفسَه: ما قوّتُه؟ وكم أثّر فيك؟ فعلى قدر ذلك يكون حظُّه من منامك.
  • ولا تقضِ في المنام من ذلك المشهد وحده مقتطَعاً؛ فالرؤيا تُسمع كاملةً من صاحبها ثمّ يُنظر فيها.
  • وإن كنتَ أنت من يُسأل، فاسمع الرؤيا من صاحبها، وتأمّل في أثناء سماعك كلامَه هو، فمنه تستنبط أأثّر فيه الحدثُ أم لم يؤثّر.
  • وإن كان الحدثُ خاصّاً بصاحب الرؤيا لا عامّاً، فاستفسِر منه هو عنه بعينه، ولا تَقِس حالَه على حال غيره.
  • ولا تتّخذ هذا ذريعةً لإنكار أن يُعلَم الشيءُ قبل وقوعه؛ فقد قرّر أنّ الله ينبّئنا بالشيء قبل أن يقع «ما في شك»، وإنّما نفى في حادثةٍ بعينها أن يكون بلغه من رآها قبل وقوعها.

في الباب نفسه: حقيقة الرؤيا وأنواعها