تفسير الأحلام.نت
أصول التعبير وقواعده

«فإذا كان برع فيه كبار الصحابة» — تعبيرُ الرؤيا علمٌ برع فيه أعلامُ السلف

قرأتُ من يقول: إنّ علم تعبير الرؤيا لم يبرع فيه كبارُ العلماء، وإنّ فيه من يعبّر بلا علمٍ شرعيٍّ ولا تأهيل — فهل يسقط هذا العلمُ بذلك ويصير من سقط المتاع؟

ساق د. فهد العصيمي آثارَ السلف في التعبير: أبو هريرة يعبّر اللبنَ بالفطرة والقيدَ بالثبات في الدين، وسعيد بن المسيّب يعبّر سقوطَ الأسنان بدفن أهل البيت، وابن عبد البرّ يقول في «التمهيد»: كان أبو بكر أبصرَ الناس بتأويل الرؤيا — ردّاً على من كتب أنّ كبار العلماء لم يبرعوا فيه، وقرَّر أنّ الممارسة الخاطئة في فنٍّ لا تُهدَم بها الأصول.

التفصيل

هذه الحلقةُ درسٌ في تأصيل علم تعبير الرؤيا، ليس فيها نداءُ متّصلٍ ولا رؤيا مسوقةٌ عن رائيها ولا تعبيرٌ لسائل؛ إنّما ساق فيها د. فهد العصيمي آثاراً عن أعلام الصحابة والتابعين في التعبير، ثمّ ردَّ بها على كتاباتٍ اطّلع عليها تزعم أنّ كبار العلماء لم يبرعوا في هذا العلم.

(١) أبو هريرة رضي الله عنه: افتتح الدرسَ بذكره فقال: «أبو هريرة رضي الله عنه ورد أنه كان يعتبر علم وتعبير الرؤية عملا مشروعا وليس من نوع الرجم بالغيب وكان هو يعبر الرؤيا» — وكذا ورد لفظُ «الرؤية» في التفريغ فأُبقي على حاله. ثمّ مثَّل بتعبيرين له؛ الأوّل في اللبن: «فكان يعبر اللبن بالفطرة و يقول اللبن في المنام الفطرة»، والثاني في القيد: «ويعبر القيد بالثبات على الدين والالتزام به ويقول: أحب القيد في المنام وأكره الغل والقيد ثبات في الدين».

(٢) سعيد بن المسيّب: ثنّى به وساق له تعبيراً بعينه: «سعيد بن المسيب رضي الله عنه أيضا كان يعبر وجاءه شخص وقال: رأيت أن أسناني تسقط في يدي فدفنتها، قال: إن صدقت رؤياك دفنت أسنانك من أهل بيتك». وهذا أثرٌ تاريخيٌّ محكيٌّ في الدرس، لا رؤيا سائلٍ عُبِّرت في البثّ.

(٣) شهادةُ ابن عبد البرّ: ثمّ نقل عن كتاب «التمهيد» فقال: «ابن عبد البر رضي الله عنه في التمهيد يقول: كان أبو بكر الصديق أبصر الناس بتأويل الرؤيا أه وعائشة -رضي الله عنها- كانت من أبرع من تعلم منه» — ولفظُ «أه» جاء هكذا في التفريغ بين آخر المنقول عن «التمهيد» وبين ما بعده، فنُقل كما ورد ولم يُقدَّر له لفظٌ آخر.

(٤) الغرضُ من سَوق هذه الآثار: صرَّح به بعد فراغه منها فقال: «أنا قلت هذا الكلام وهذه الفائدة لأني أحيانا أطلع على بعض الكتابات ممن يهرف بما لا يعرف ويقول: إن علم التعبير لم يبرع فيه كبار العلماء فإذا كان برع فيه كبار الصحابة»، ثمّ حرفُ «ف» ويعقبه في التفريغ موضعٌ مطموسٌ طويلٌ ورد فيه ركامُ محارفَ غيرِ مقروءة، فلم يُنقل ولم يُقدَّر ما تحته؛ فجوابُ الشرط في هذه الجملة ساقطٌ من التفريغ. ثمّ يستأنف الكلامُ مخاطباً صاحبَ تلك الكتابات: «ما هو الشيء الذي أنت تريد أن تتوصل إليه؟ هل تريد أن تقول أن علم التعبير لوجود أناس يعبرون وهم ليسوا عندهم العلم الشرعي الكافي والتأهيل، أصبح هذا العلم من سقط المتاع، أنا أقول لا».

(٥) ميزانُ الردّ — الممارسةُ الخاطئة لا تهدم الأصل: قرَّر القاعدةَ ثمّ قاس عليها بفنَّين: «هذه ممارسة الممارسة إذا كانت خاطئة في فن لا تجعلنا نعمم، لو وجدنا شخصا يتعبث بالطب أو وجدنا شخصاً يتعبث بـ... الهندسة المعمارية في بناء البيوت ويفتي بغير علم، هل نهدم الأصل؟ ونقول بسبب ممارسات هؤلاء الصغار هذا أصبح علما منسوخاً» — وتكرارُ لفظ «ممارسة الممارسة» ولفظُ «يتعبث» ثابتان في التفريغ فأُبقيا على حالهما، والنقاطُ بعد «بـ» من التفريغ نفسِه دلالةَ تلعثمٍ في الكلام، لا حذفاً من النقل.

(٦) خاتمةُ الردّ: ختم بالحكم على تلك الكتابات وبيان موقفه منها: «أنا أقول هذا كلام غير علمي وأتحفظ الحقيقة على مثل هذا الكلام وعن الرد عليه لكن في برنامجي هنا أشير إليه وأقول أن هذا الكلام لا يصح ولا يصح تعميمه». وبهذا تنتهي الحلقة.

ومأخذُ القاعدة من الدرس أمران متلازمان: أوّلهما إثباتُ أنّ التعبير كان عملَ كبار الصحابة والتابعين لا عملَ من دونهم — فأبو هريرة كان يراه «عملا مشروعا وليس من نوع الرجم بالغيب» ويزاولُه، وسعيد بن المسيّب «كان يعبر»، وأبو بكر عند ابن عبد البرّ «أبصر الناس بتأويل الرؤيا»، وعائشة «من أبرع من تعلم منه» — فدعوى أنّ العلم لم يبرع فيه كبارُ العلماء مصادِمةٌ لهذه الآثار. وثانيهما أنّ العلّة التي بُنيت عليها الدعوى — وهي وجودُ من يعبّر بلا «العلم الشرعي الكافي والتأهيل» — علّةٌ في المزاوِل لا في الأصل المزاوَل؛ ولذلك قابلها بقياس الطبّ والهندسة المعماريّة: فمن تعبَّث بهما وأفتى بغير علمٍ لم يُهدَم بفعله أصلُ الفنّ. فالخلاصةُ عنده: نقدُ الممارسة لا يستلزم تعميمَ الحكم على العلم، و«هذا الكلام لا يصح ولا يصح تعميمه».

الأدلّة

4 دليل

فماذا تفعل؟

  • إذا قرأتَ من يزعم أنّ تعبير الرؤيا علمٌ لم يبرع فيه كبارُ العلماء، فاعرِض دعواه على آثار السلف التي سيقت هنا: أبو هريرة كان يعبّر اللبنَ والقيدَ، وسعيد بن المسيّب كان يعبّر، وابن عبد البرّ يقول عن أبي بكر إنّه «أبصر الناس بتأويل الرؤيا».
  • لا تجعل خطأ من لا تأهيل له حكماً على العلم نفسِه؛ فالميزانُ الذي قرَّره: «الممارسة إذا كانت خاطئة في فن لا تجعلنا نعمم»، كما لا يُهدَم الطبُّ ولا الهندسةُ المعماريّة بمن تعبَّث بهما.
  • وميّز بين نقد مزاولٍ بعينه ونقض الأصل؛ فالأوّل نقدٌ سائغ، والثاني عنده «كلام غير علمي» و«لا يصح ولا يصح تعميمه».
  • وإذا أردتَ عرضَ رؤياك فالتمس من جمع بين العلم الشرعيّ والتأهيل، فإنّ العلّة التي أُخذت مأخذَ الطعن إنّما هي وجودُ «أناس يعبرون وهم ليسوا عندهم العلم الشرعي الكافي والتأهيل».

في الباب نفسه: أصول التعبير وقواعده