تفسير الأحلام.نت
أصول التعبير وقواعده

«ويختلف باختلاف عادات الناس» — الزمانُ والعادةُ ميزانان في قراءة الرمز

لماذا يسألني المعبّر عن الوقت الذي رأيتُ فيه رؤياي؟ وهل يختلف معنى التعرّي وحلقِ اللحية في المنام باختلاف عادة الناس؟

حلقةٌ قصيرةٌ لا متّصلَ فيها ولا رؤيا، يقرّر فيها د. فهد العصيمي ميزانين في قراءة الرمز: الزمانُ — فالنارُ والماءُ الحارُّ وملبسُ الشتاء في البرد «خير وراحة»، وفي القيظ «أخبار سيئة» و«حبوب ودمامل وأمراض» — والعادةُ، فالتعرّي في موضعه المعتاد جيّدٌ وفي مجامع الناس رديء، وحلقُ اللحية محمودٌ لمن اعتاده غيرُ جيّدٍ لمن يُعفيها.

التفصيل

حلقةٌ قصيرةٌ لا متّصلَ فيها ولا رؤيا مرويّة، مادّتُها كلُّها درسٌ في أصول التعبير. قرّر فيه د. فهد العصيمي ميزانين يُقرأ بهما الرمزُ قبل أن يُنزَّل على صاحبه: الزمانُ الذي رُئي فيه، وعادةُ الناس الذين يُقرأ لهم. وهذا نصُّ ما قرّره على ترتيبه في الحلقة:

١ ـ افتتح بالقاعدة الأولى فقال: «يختلف تعبير الرؤيا أيضا باختلاف الزمان وهذا كثيرا ما كررته وذكرته وذكرت له أمثلة»؛ وقولُه «أيضا» عطفٌ على ما تقدّمه من نظائر هذا الباب.

٢ ـ ثمّ عدّد أمثلتها: «يعني مثلا الاستدفاء والاصطلاء بالنار، التدفي بالشمس ملبس الشتاء ، استعمال الماء الحار ونحوه».

٣ ـ ثمّ قسم المعنى بين الحالين وفصّل ما يؤول إليه كلُّ واحدٍ منهما: «يعني بالبرد بالبرد يكون له معنى وبالحر له معنى في البرد يكون خير وراحة أما في القيظ في الحر فيكون أخبار سيئة ويكون حبوب ودمامل وأمراض فهذا طبعا يعود إلى إلى اختلاف الزمان».

٤ ـ ثمّ نقل القاعدة من التقرير إلى عمل المعبّر، ومثّل لها بالتمر: «ولذلك المعبر إذا رأى أن الرمز له علاقة بزمن مثل مثلا واحد قال رأيتني آكل تمر أكل التمر يختلف في الشتاء عن الصيف».

٥ ـ ثمّ ضرب مثالاً ثانياً هو الملابس الصوفيّة، وأدخل فيه سؤالَ الاستقصاء عن وقت الرؤيا: «شخص قال أني لابس ملابس صوفية، أسأله متى رأيتها؟ رأيتها في الصوف؟ لا يلبس الواحد في الصيف ملابس صوفية. لكن إذا قال رأيتها في الشتاء يكون عكس المعنى».

٦ ـ ثمّ أجاب عمّن يستنكر عليه كثرةَ هذا السؤال: «ولذلك البعض يسألني يقول: أنت لماذا تسأل؟ أنا أسأل لأني أغرف من علم أنت تتعجب لأنك ليس لديك هذا العلم ببساطة».

٧ ـ ثمّ انتقل إلى الميزان الثاني — وهو العادة — فقرّره في التعرّي: «طيب مثل التعري في الحمام وفي المكان المعتاد فيه جيد للعادة، وهو في غيره من مجامع الناس رديء. و شهرة خصوصاً إن كان مكشوف العورة ويختلف باختلاف عادات الناس».

٨ ـ ثمّ فصّله بحال من اعتادوه، وقيّده بحكم الشرع فيمن لا يعتادونه: «يعني هذه العادات الناس بعض الناس عادي عندهم أنه يروح الحمام سباحة ويجلس معه خمسة أو ستة عشرة وكل واحد ما عليه إلا ما يستر السوءة فهذا عندهم عادي لكن في المسلمين هذا غير جيد».

٩ ـ ثمّ ساق المثال الثاني للعادة — حلقَ اللحية والرأس — فبدأ بوجهه المحمود عند من اعتاده: «حلق اللحية أو الرأس مثلا في بعض الناس يستحسن حلق اللحية والرأس هذا عادي، ولا يذهب الواحد إلى عمله إلا بعد ما يحلق فرؤيته لنفسه وهو يحلق لحيته له معنى جيد».

١٠ ـ ثمّ قابله بوجهه الآخر عند من ليست تلك عادتَه، وبهذا ختم الحلقة: «أما الناس اللي يقولون أنه مثلاً حلق اللحية محرم مثل المسلمين والذين يعفون لحاهم، فهذا إذا رأى حلق اللحية فهو غير جيد بالنسبة له».

ومأخذُ القاعدة من مقابلاته الثلاث: أنّ الرمز الواحد لا يُحفظ له معنًى مفردٌ يُطلق في كلّ حال، بل يُنظر فيه إلى ظرفين خارجين عن متن الرؤيا وداخلين في تعبيرها. أوّلُهما الزمان: فما كان دفئاً واستدفاءً — ناراً وشمساً وملبسَ شتاءٍ وماءً حارّاً — انقلب معناه بانقلاب الفصل، فهو في البرد «خير وراحة» وهو في القيظ «أخبار سيئة» وعلّةٌ في البدن. وثانيهما العادة: فالفعلُ الواحد يُقرأ بحسب ما اعتاده أهلُه؛ فالتعرّي في موضعه المعتاد جيّدٌ «للعادة» وهو في غير موضعه من مجامع الناس رديءٌ وشهرة، وحلقُ اللحية معناه جيّدٌ في حقّ من لا يذهب إلى عمله إلّا بعد أن يحلق، وغيرُ جيّدٍ في حقّ من يرى تحريمَه ويُعفي لحيته. ثمّ إنّه لم يُطلق العادةَ عن حكم الشرع، بل قيّدها في المثال الأوّل بقوله «لكن في المسلمين هذا غير جيد». وعلى هذين الميزانين خرّج سؤالَه الرائيَ عن وقت رؤياه وحاله، وجعله غَرْفاً من علمٍ لا فضولاً في السؤال.

وتنبيهٌ على اللفظ: نُقلت عباراتُ المفسّر كما وردت ولم يُبدَّل فيها شيء، وفي بعضها إشكالٌ ظاهرٌ لم يُقطع فيه بشيءٍ ولم يُخمَّن له وجه: قولُه في مثال الصوف «رأيتها في الصوف؟» جاء هكذا وهو مضطربٌ في موضعه، وجاء قبله ما يستقيم به سياقُ المقابلة وهو ذكرُ الصيف والشتاء. وفي عدّ الأمثلة وردت فاصلةٌ منفصلةٌ عن كلمة «ملبس الشتاء ،» وواوٌ منفصلةٌ في «و شهرة». وبين مسألتَي التعرّي وحلق اللحية موضعٌ لم يتبيّن فيه الكلام فأُثبت في التفريغ إشارةً إلى تمتمة، ولم يُحمَل على معنًى.

فماذا تفعل؟

هذه القاعدةُ تنفعك سائلاً ومعبّراً، فاعمل بها على هذا الوجه:

  • اذكر وقتَ رؤياك من غير أن تُسأل: قل في أيّ فصلٍ رأيتَها وفي أيّ جوّ؛ فالرمزُ الذي فيه دفءٌ أو نارٌ أو ثيابٌ ثقيلةٌ أو ماءٌ حارّ يتبدّل معناه بتبدّل الفصل.
  • ولا تستنكر سؤال المعبّر: سؤالُه «متى رأيتها؟» أداةٌ من أدوات صناعته لا فضولاً، وقد صرّح بأنّه إنّما يسأل لأنّه يغرف من علم.
  • بيّن عادتَك وعادةَ أهل بلدك: فالفعلُ الذي هو عندك مألوفٌ معتادٌ ليس كالفعل الذي تراه أنت منكَراً؛ وحلقُ اللحية عند من لا يخرج إلى عمله إلّا حالقاً ليس كحلقها عند من يُعفيها.
  • ولا تُطلِق العادةَ عن حكم الشرع: ما جرت به عادةُ قومٍ ممّا لا يجوز — ككشف العورة في مجامع الناس — لا يصير حسناً في حقّ المسلم لمجرّد أنّه معتادٌ عند غيره.
  • ولا تحفظ للرمز معنًى واحداً تُطلقه في كلّ حال: إن كنتَ تتعلّم التعبير فاجعل الفصلَ والطقسَ وعُرفَ الرائي من القرائن التي تُنزِّل بها المعنى، وإلّا وقعتَ في التعميم.
  • وهذا كلُّه في قراءة الرمز لا في بناء قرار: فلا تُقدِم على شيءٍ ولا تُحجِم عنه اعتماداً على منام.

في الباب نفسه: أصول التعبير وقواعده